د. توفيق رفيق التونچي

“ فرخ البط عوام “
مثل شعبي
بناء دولة العدل المدنية لا يتم بالتوريث. في هذه المادة أحاول ان اشرح تاريخيا كيف ان أنظمة الحكم في جميع انحاء العالم مع اختلافها فيها نوع من وراثة المناصب السياسية بين ابناء العائلة الواحدة. رغم ان السلطةً كانت تاريخيا وراثية فقط في أنظمة الحكم الملكية بصورة عامة، مع وجود ملكيات اختفت تماما كنتيجة لعدم وجود وريث يستلم الحكم بعد وفاة الملك. بينما هناك كذلك مآس تاريخية حدثت للعائلات الحاكمة، كما في فرنسا اذ أبيدت العائلة الحاكمة عن بكرة أبيها ابان الثورة الفرنسية.
سأحاول في هذه المادة ان أسرد بعضاً من تاريخ التوريث للحكم. كانت نهاية بعض العائلات الحاكمة في أسوأ الأحيان أبادتهم العائلة بالكامل، كما في التاريخ القيصري في روسيا ومثالها عائلة رومانوف وهناك أمثلة اخرى. كما في مملكة السويد اذ تولى الحكم ملكا على عرش السويد الجنرال الفرنسي برنادوت الذي وُلد في مدينة بو وهي بلدية تقع جنوب غرب فرنسا في منطقة نوفال-آكيتن(Nouvelle-Aquitaine) الجنوبية باسم جان برنادوت. كان برنادوت جنرالًا في الجيش الفرنسي ووزيرا للحرب خلال الثورة الفرنسية، ثم مُنح لقب مارشال في الإمبراطورية الفرنسية وامير بونتوكورفوً في عهد نابليون بونابرت تبنّاه الملك كارل الثالث عشر ملك السويد، الذي لم يكن له وريث شرعي وحين خلا كرسي الحكم بعد وفاة الملك الكبير في السن فأمر نابليون بونابرت أحد جنرالاته ان يتوج على عرش السويد.

العراق نموذج مغاير اي ان الملك لم يكن عراقيا، بل حجازيا وانتهى حكمهم في صبيحة ١٤ تموز من عام ١٩٥٨ بانقلاب دموي، انهى حكم العائلة في الأقل في العراق، بينما استمرّ حكم ابناء عمومتهم في المملكة الأردنية الهاشمية. لكن تبقى سلطة الحكم الملكي وراثية، وحتى نظام الخلافة التي بدأت مع الحكم الأموي واستمرت في العهد العباسي والدولة العثمانية وربما كانت قد بدأت كمحاكاة لما كان عليه نظام الحكم البيزنطي وخلافا لمبدأ الشورى في الحكم الذي اتبعه نظام الخلافة الراشدة. كذلك نرى هذا الموروث تجذر بين الكرد تاريخيا خاصة في إقليم كوردستان العراق، اذ نجد حكم العائلات والتوريث للسلطة السياسية والدينية والعشائرية
إذن الحكم الملكي كنظام يستمر فقط بوجود ولي العهد، وقد تكون أميرة تأتي إلى الحكم بعد وفاة الملك كما حصل في المملكة المتحدة ودول أوربية أخرى. نرى كذلك وجود تقاليد ملكية في عدم زواج الملك والسلطان من عامة الشعب واختيار ملكة من أميرات من ممالك اخرى لأنّ الملك يعتبر أبا لشعبه، ولا يمكن للأب ان يتزوج من أبنائه. لذا نجد ان معظم ابناء ملوك اوربا أقرباء فيما بينهم من أبناء الاخوال او أبناء العمومة.
لا ريب، ان الوراثة للحكم لولي العهد يحتاج الىً فترة تدريبية قاسية من ضمنها الخدمة العسكرية ودروس في اللغات وتعليم الدبلوماسية والاتيكيت وامور كثيرة اخًرى
. كانت التقاليد الملكية كذلك تحظر على الملوك الزواج من طبقة غير أرستقراطية، ولكنها تغيرت جذريا، وهناك حادثة تنازل ملك البريطاني من العرش لأنه اختار الملك ادوارد الثامن سيدة مطلقة أمريكية السيدة واليس سيمبسون ليست من الطبقة الأرستقراطية عام 1936، مما ادى الى نشوء أزمة دستورية. لكن هذا التقليد بقي في الماضي ولا يتبع اليوم. خاصة بين العائلات الملكية في الدول الاسكندنافية. تبقى مؤسسة النظام الملكي من المؤسسات العريقة ولا تختفي حتى بعد وفاة الملك او فقدها للسلطة.

وهناك مسالة عبادة الأشخاص وتقديس فعلهم وتبرير قراراتهم وسلوكهم غير الطبيعي اي الإنسان الخارق حسب الفيلسوف الألماني نتشه. وخاصة بين هؤلاء من المنافقين الذين يحومون حول كل من حصل على مركز او وظيفة عالية في السلطة. لكن هناك خضوع كامل ودون اي نقاش للملك وحتى الطاعة العمياء لمن يعتبرون أنفسهم رجال دين ومصدرا للحلال والحرام هي نوع من اتخاذهم أربابا من دون الخالق وهذا ديدنهم وفي جميع الأديان. عموما لا نرى التوريث عند الأنبياء لأنّ النبوة لا تورث عكس المال والبنون. ولكننا نادرا ما نجد هذا التوريث العائلي في المواهب البشرية في العلوم والآداب والفنون بأشكالها كافة. وبصورة عامة ولا نرى إلا نادرا من ورث من الأبناء موهبة الموسيقى، الرسم، الإبداع الأدبي وأنواع العلوم من والديه. اما التوريث في الجمهوريات وبتطبيقاته كافة فقد أثبتت ان خلافة الحكم في عائلة رئيس الدولة وحتى عن طريق الانتخابات الديمقراطية جائزة وهي حالة متكررة في معظم أنحاء العالم.
نرى نماذجها في أنظمة اليسار وما كان يسمى بالاشتراكية وكذلك في المعسكر الرأسمالي على حد سواء. دول أمثال كوبا ، كوريا الشمالية وحتى نرى النموذج في الولايات المتحدة ( بوش الأب والابن) هناك مساع لتوريث الحكم في الجمهوريات رغم انها فشلت أحيانا كثيرة بعد ان انتهى حكم الرئيس بقتله كما حصل مع الحكيم السادات، وفي مملكة العراق مع العائلة الملكية او بثورة وانقلاب دموي أدى إلى تركه للسلطة او هرب إلى الخارج، كما حصل في تونس وسوريا .وكذلك نموذج رومانيا وإبعاده الدكتاتور شاوشيسكو في ثورة شعبية وإعدامه وكما حصل مع العديد من رؤساء الدول الذين كانوا قد حضروا وريث لهم من العائلة كما في العديد من الجمهوريات في الشرق وفي الدول الأخرى.
لكننا لم نشاهد عمليا إلا نادرا تحضير الوريث بصورة يمكنه تحمل أعباء الحكم لاحقا كما يحصل لولي العهد في الأنظمة الملكية ، بل ان معظم التجارب أثبتت انّ الوريث غير مؤهل لقيادة البلد بعد وفاة الرئيس ربما لعدم وجود تقاليد وأعراف في تحضير الوريث للقيادة او حتى تحول الوريث المنتظر إلى شخصية فاسدة كنتيجة مباشرة لسطوة المال والسلطة وهناك استثناءات كذلك كما في دولة لبنان حيث نرى وبوضوح ان السلطة وراثية وحتى الأحزاب وراثية وتبقى القيادة في العائلة كأننا امام مملكات متعددة وهذا النموذج يتم تقليده في العديد من الأقطار العربية.
. ختاما نرى وبوضوح بان التوريث ليس تقليدا فقط في الحكم الملكي بل انه سلوك سلطوي عام و
“من ملك استأثر “.
السويد
2025

















































عذراً التعليقات مغلقة