ما السبب في رفض إسبانيا الرفع من إنفاقها العسكري ؟
عبدالعزيز حيون

كاتب وصحافي من المغرب
لا أحد يلقى التفسير الواضح والكامل للخلاف السياسي والعسكري القائم حاليا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا ،أو على الأقل لا يجهر بمضمونه الحقيقي ،فيما مؤسسات الاتحاد الأوروبي تسعى لرأب الصدع بين مدريد وواشنطن ،في أقرب وقت ممكن ،لأهميتهما في المنظومة العسكرية العالمية ولموقع الدولة الإيبيرية الاستراتيجي .
وإذا كانت واشنطن ترى ضرورة رفع دول الناتو لإنفاقها العسكري حتى تستفيد من “الحماية العسكرية ” ،فإن مدريد ترى أن ما ينفقه الأعضاء كاف وما طلب واشنطن إلا محاولة لابتزاز الدول المعنية وتوسيع مجال تسويق أسلحتها وتحقيق الربح المادي على حساب دول تجمعها بهم المبادئ قبل الأسلحة .
هناك من يقول إن الخلاف بين مدريد وواشنطن لا يصل الى مستوى الخلاف بين الدولتين وإنما هو خلاف يكاد يكون “شخصيا” بين دونالد ترامب ،بنزعته الهيمنية ، وبين بيدرو سانتشيث ،الذي لا يقبل “الانبطاح” أمام غطرسة أمريكا ،إضافة الى اختلافهما في ملف قطاع غزة والدعم اللامشروط لواشنطن للكيان الصهيوني ،وحتى العلاقة الاقتصادية القائمة بين إسبانيا والولايات المتحدة التي لا تراعي مصالح الطرفين وتكرس ” تغول ” الدولة الأمريكية على الحليف الأوروبي الذي كان دائما المساند لواشنطن في كل سياساتها الاقتصادية والأمنية و..
لكن هل باستطاعة الناتو وواشنطن طرد إسبانيا من الحلف ؟ وهل تتضمن معاهدة الحلف آلية الطرد ؟
بعد تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها ،في وقت سابق ، دونالد ترامب في البيت الأبيض، حيث أشار إلى ضرورة “طرد إسبانيا من الناتو” على خلفية خلافات حول الإنفاق الدفاعي، طفت على السطح تساؤلات حول إمكانية قيام منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بإقصاء أحد أعضائها.
ووفقاً لنص معاهدة شمال الأطلسي، فإن الإجابة الواضحة المتضمنة في المعاهدة هي: لا يمكن للحلف طرد أي عضو فيه.
ويبقى البند الوحيد للانسحاب هو “الاستقالة الطوعية” ،فالمادة 13 من المعاهدة تنص بوضوح على أن الطريقة الوحيدة لإنهاء عضوية دولة في الحلف هي الانسحاب الطوعي. وتتطلب عملية الانسحاب من أي دولة عضو إرسال إشعار رسمي إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتولى مهمة “حفظ المعاهدة”.
ما هي الشروط اللازمة للانسحاب الطوعي؟
أولا : يجب أن يكون قد مر 20 عاما على الأقل على انضمام الدولة للحلف (وهو شرط ينطبق على إسبانيا التي انضمت عام 1982).
ثانيا : لا يصبح الانسحاب ساريا إلا بعد مرور 12 شهرا من تاريخ الإخطار الرسمي.
وبالتالي فلا وجود لآلية طرد أو تعليق العضوية مهما طغت حدة الاختلاف بين الدولة الراعية للتنظيم العسكري وبين دولة عضو ،كما أن الدول المؤثرة في الحلف تتحاشى الخلاف المباشر بين الدول الأعضاء حتى تحافظ على قوتها وحضورها الجغرافي ،وحتى لا تُستقطب هذه الدول من جهات مناوئة للحلف أو تنافسه في الجانب العسكري .
ولا أظن أن أية دولة في الناتو تريد أن يفقد الحلف دولة من حجم وقيمة إسبانيا ،الدولة المطلة على واحد من أهم مضايق الكرة الأرضية ومن أكثر الممرات المائية ازدحاما بحوالي 300 إلى 400 سفينة مدنية وعسكرية يوميا، أي ما يعادل سفينة واحدة كل 5 دقائق تقريبا..وأيضا هي الدولة المؤثرة في منطقتها والقريبة من بؤر توتر تثير اهتمام الناتو كثيرا وأيضا من مناطق غنية بالمعادن والثروات .
و منذ تأسيس المنتظم العسكري قبل أكثر من 75 عاما، لم يتم طرد أي دولة من الناتو، كما لم تُدرج المعاهدة أية آليات تسمح بتعليق عضوية أو طرد أو إقصاء عضو كامل الحقوق حتى في حال عدم التزامه بالتعاقدات السياسية أو العسكرية أو المالية.
ويُعزى غياب آلية الطرد إلى مبدأ عمل الحلف القائم على الإجماع، حيث يتطلب أي تغيير في المعاهدة موافقة جميع الأعضاء بدون أي استثناء ،كما يُنظر إلى محاولة طرد دولة على أنها تهديد للتماسك الداخلي للحلف وتقويضا لمصداقيته في مواجهة التهديدات الخارجية.
مصدر الغضب الأمريكي: الإنفاق الدفاعي
وتأتي تهديدات دونالد ترامب على خلفية “التزام” الناتو الذي اتفق عليه الأعضاء في قمة ويلز عام 2014، برفع الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة. وخلال قمة لاهاي الأخيرة في يونيو، اتفق الأعضاء على رفع هذا الهدف إلى 5%.
وفي عام 2025، تمكنت إسبانيا من الوصول إلى الهدف الأدنى وهو تخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي (بميزانية إجمالية بلغت 33.123 مليار يورو)، لتقترب بذلك من “الإمتثال الكامل” ، إلا أن ترامب وصف إسبانيا بـ “المتخلفة” لترددها في الالتزام بهدف 5% الجديد، قائلا: “علينا أن نتصل بهم (بحكومة مدريد) ونكتشف سبب تخلفهم وعد إلتزامهم بالقرار … ليس لديهم (إسبانيا) أي عذر”.
وعادة ما تُدار مثل هذه التوترات بين الدول الأعضاء، كما حدث مع إسبانيا والولايات المتحدة بسبب الإنفاق، من خلال القنوات الدبلوماسية، وليس عبر العقوبات أو التهديد المباشر بالطرد وبالإقصاء.
ما هي القدرات العسكرية للجيش الإسباني البشرية واللوجستية ؟
مع الاحتفال بيوم العيد الوطني في إسبانيا (يوم الإسبانية)، يتجدد الاهتمام بالقدرات العسكرية للقوات المسلحة الإسبانية ودورها كعضو فاعل في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد ساهم التزام الناتو برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي في زيادة ميزانية الدفاع الإسبانية بشكل ملحوظ.
وفي هذا الإطار ،حققت إسبانيا “قفزة نوعية” في إنفاقها الدفاعي مؤخرا، حيث بلغت ميزانية الدفاع في العام الجاري 33,123 مليون يورو، وهو ما يمثل التزام البلاد بتخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي لهذا القطاع. ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 45% مقارنة بالعام الماضي (22,693 مليون يورو)، وزيادة كبيرة جدا مقارنة بعام 2014 (حيث تجاوزت 9,500 مليون يورو بقليل).
ووفقاً لتصنيف “غلوبال فاير باور” (Global Firepower)، تحتل إسبانيا المرتبة رقم 17 من بين 142 دولة شملها التصنيف من حيث القوة العسكرية الشاملة.
كما تلتزم إسبانيا بتوصيات الناتو المتعلقة بإنفاق 20% من إجمالي ميزانية الدفاع على المعدات والتجهيزات، حيث تتجاوز هذا الهدف وتخصص 26.2% من أموالها العسكرية لهذا الغرض، بينما يُخصص 40% من الإجمالي لرواتب الأفراد.
وتتوزع القوة العسكرية الإسبانية عبر مختلف الأفرع، حيث تضم أعدادا كبيرة من الجنود والمركبات والوحدات البحرية والجوية:
الجنود في الخدمة الفعلية ( حوالي 133 ألف جندي ،و يمثل هذا العدد 0.3 % من إجمالي سكان البلاد).
القوة الجوية (الطائرات) ( 461 طائرة ،و يشمل العدد مقاتلات، وطائرات شحن، ومروحيات وغيرها..)
القوات البرية (الدبابات) ( 317 دبابة ،مخصصة للمعارك البرية)
مركبات مدرعة ( 17 ألف و 62 مركبة ( تشمل مركبات قتالية ومركبات دعم مدرعة)
القوة البحرية (إجمالي الأصول) ( 152 أصل بحري ،و يشمل سفناً وغواصات ووحدات دعم )
حاملات الطائرات (1 حاملة طائرات ،و تُستخدم عادة كحاملة مروحيات أو سفينة هجوم برمائي )
مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان خارج مظلة الدفاع الجماعي للناتو
لطالما كانت مسألة الدفاع عن الحدود الجنوبية لإسبانيا محل جدل مستمر داخل الأوساط السياسية والعسكرية، فبالرغم من كون إسبانيا تعد عضوا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ عام 1982، إلا أن منطقتي سبتة ومليلية المحتلتين تقعان رسميا خارج إطار الحماية المنصوص عليها في المادة الخامسة من معاهدة واشنطن التأسيسية للحلف.
و يأتي هذا الاستثناء الاستراتيجي بسبب القيود الجغرافية التي وضعها الميثاق التأسيسي للناتو،وتنص المادة الخامسة على أن أي هجوم مسلح ضد أحد أعضاء الحلف سيُعتبر هجوما ضد الجميع، مما يضمن الرد الجماعي. ومع ذلك، يحدد الميثاق نطاق تطبيق هذه الحماية ليشمل الأراضي الأوروبية لأي طرف من الأطراف، والجزر الواقعة في منطقة شمال الأطلسي .
وبما أن مدينتي سبتة ومليلية تقعان جغرافياً في شمال إفريقيا وجنوب الحدود الأطلسية المحددة، فإنهما تُستبعدان بوضوح من التغطية التلقائية للدفاع الجماعي للحلف، على عكس جزر الكناري التي تقع شمال مدار السرطان، وبالتالي فهي مشمولة بالحماية.
وقد أثيرت النقطة مجددا في الوثائق الاستراتيجية للحلف ،ففي الوثائق الأخيرة، أشار الحلف إلى التزامه بـ “الدفاع عن سيادة وسلامة الأراضي” للدول الأعضاء، وهو ما يُعتبر إشارة سياسية لمدينتي سبتة ومليلية، حتى وإن لم تعدّل قانونياً نص المعاهدة.
ورغم الخلاف القائم بين واشنطن ومدريد حول قيمة الإنفاق ،إلا أن أعضاء الناتو يراهنون على تغيير القيادات والسياسات والاستراتيجيات في الدول الأعضاء ،والحال يتعلق أيضا بإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية المختلفة حاليا في التصورات لكن وجهات نظرها متطابقة بخصوص التوجهات الكبرى للحلف وأهدافها الكبرى ،الحالية والمستقبلية .
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن














































عذراً التعليقات مغلقة