عبد نبي بزاز

كاتب من المغرب
ينتظم مجموعة ” سأعبر جسر القصيدة ” الشعرية للشاعرة المغربية سعاد بازي المرابط نسق تتعدد أدواته الإيقاعية ، وعناصره المجازية ، وأبعاده الدلالية . فعلى مستوى الإيقاع فقد خلق تجانس حروفه وتماثلها نبرة داخلية بتكرار نفس الحرف أو الحروف في أواخر بعض مقاطعه مما خلق نبرة خارجية كسرت نثريتها ، وأضفت عليها جْرسا موسيقيا ناتجا عن تناغم حروفها وتجانسها ، وهو ما لاحطناه في قولها مثلا : ” لأن غصني ترعرع فوق دفتر شعر / فطرة و فكرة …” ص 19 ، بما شَكَّله تكرار حرف الراء والعين من إيقاع داخلي أضفى على المقاطع الشعرية وزنا نابعا من إعادة نفس الحروف وتواترها : ” رفضت، / عربدت ، / بعد أن تحرشت بحبري، / بصمتي ، / لتنقذني عند منتصف القهر … ” ص 38، في توالي لحرفيْ التاء ، والراء اللذيْن أنتجا جَرْسا تتجاذبه الليونة والرخاوة في التاء ، والشدة والجهر في الراء ، وخارجي كما في حرف التاء الذي تنتهي به عبارات في القول :
” لأفض بعض النزاعات ،/ ثم أجري دون غارات … ” ص 30، وحرف اللام في : ” أمكث طويلا في الهزيع الأول … / قبل أن أجزم الملل تسلل / إلى عيون الأمل .. ” ص43، والراء متمثلا في : ” بعد زخات الضجر، / أرقص بلساني / رقصة الغجر ./ حبلى ، / أرقص على حبال الكلمات / دون حذر .” ص46، وحرف النون حيث نقرأ : ” قبل أني ../ وأني .. / وأني …” ص65 ، وكلها حروف تنتظم لتشكيل إيقاع داخلي وخارجي يمنح عبارات مقاطع النصوص نبرات غنية ومتنوعة . كما انمازت نصوص المجموعة بنزعة مجازية على شكل أساليب وصيغ متعددة تبرز بدءا من النص الأول ” قطعا لست أنا ” حيث نقرأ : ” الآن صرت أتوسد ذراع فكرة ” ص8 ، حين يصبح للفكرة ذراعا تتوسدها الشاعرة التي يغدو صدرها مدخنة : ” ليصير صدري مدخنة . ” ص9، وللحب أجنحة :
” الحب كالطيران / لابد له من الأجنحة … ” ص 15 ،هذا الحب الذي يبحث عن أجنحة يحلق عبرها في أجواء شاهقة لاستشراف امتدادات يعمها التوق المتجدد ، والمتعة المتوهجة والشغف الطافح . وللشكوى كؤوس طافحة لا يجف ماؤها ولا ينضب : ” يفرغ كؤوس الشكوى … ” ص 31، وللضجر زخات : ” بعد زخات الضجر… ” ص 46، وللكلام حقول تطأها الأقدام وتمشي فوقها :
” بعد أن ذرعت حقول الكلام / طولا وعرضا . ” ص 50، ويتحول النص ، كشكل إبداعي ،إلى قهوة تحتسى : ” أشرب نصا مرا كقهوة … ” ص 65 . وارتباطا بغزارة العنصر المجازي ، وما أفرزه من صور وأشكال ذات سمات جمالية ودلالية بصيغ تصويرية وتعبيرية لافتة وبارزة ضمنها التشبيه بمختلف أنواعه ؛ في اقتران بالكاف : ” أتوقد كالشرر … ” ص 16، و : ” أصلب كلوحة على جدار … ” ص17، وبشكل ضمني : ” ما عاد يغريني مطر حديثك … ” ص 27، في تشبيه الحديث بالمطر، والإنسان بالعاصفة : ” اعتبرني عاصفة رملية غيرت الاتجاه … ” ص 28، وبصيغة أخرى متجردا ، أي التشبيه ، من الأداة : ” ما أنا إلا نعامة مختفية / في رمال الحروف … ” ص 65 ، كما تضمنت ثنايا المجموعة تعابير مختلفة من حيث الصياغة والمعنى في انزياح عن المألوف والشائع كما نقرأ : ” فانا أحيانا أجيب عندما لا أجيب .. ” ص28 ، وما تفتحه العبارة من أفق تأويل يقترن بطبيعة الإجابة التي يعتبر فيها عدم الإجابة إجابة ! والريح و حديثها ، فيما تجترحه من حوار مع الموج : ” قالت الريح أنا المحو بإيعاز من الموج ./ نفى الموج ونسب الفعل للريح ..” ص 38، واعتبار الخواء شخصا : ” الخواء ليس شخصا سيئا … ” ص 58، تنتفي فيه صفة السوء ، وتحويل الاهتمامات إلى مروحة لتلطيف الحرارة : ” يُلطف الحر بمروحة اهتماماتي … ” ص63، واحتساء الظلام للأفراح بعد تعليبها : ” أنعت الظلام بالأخرق المعتوه / لأنه علب يوما ما الأفراح / ليحتسيها على مهل .. ” ص 91، مما خلع عليه صفة الصفاقة والعته . ورغم الأشكال العديدة للجانب الجمالي داخل نسق المتن الشعري من أساليب الإيقاع والمجاز فإنه تناول موضوعات عدة مثل الشعر الذي تقول فيه الشاعرة : ” الشعر نفاذ / كالعطر/ كالحرائق … ” ص 24، فهو يتغلغل في بواطن النفس ، ويحرك كوامنها ، ويشيع عطره في القلوب والحنايا ، ويتوهج ، مشتعلا كالحرائق التي تستعصي على الإخماد ، وعلاقة الشاعرة به ، أي الشعر ، عبر طقوس تتجسد في أماكن من قبيل مقصورات القطار ، وقاعات الانتظار :
” أكون أشعر عندما يسود اللغو / في مقصورات القطار ، / في قاعات الانتظار .. ” ص75، وما يعمها من لغط وجلبة تحرك فوضاها اللواعج ، وتتسرب إلى الخبايا ملهمة ومنيرة في إيثار لحالة اللغو عن حالات الهدوء والسكينة ، ثم ما تفتأ تنتقل لوصف وضعية الشعر ، والتي تعج بنواقص وهنات كما تعبر عن ذلك في قولها : ” النصوص الضعيفة الآن تخجل ، / لأنها كعباد الشمس / أينما مال النور تميل . ” ص 23، وما يمثله ذلك من انحراف وزوغان عن سمو الشعر وصدقيته . وموضوع الحب في تصاد وتماه مع الشعر :
” أيها الحب الذي أصبح كالشعر …/ الحب كالنص الشعري / له حجر الأساس … ” ص 15، والذي يعج بضروب خيال تحلق به في آفاق شاسعة ، وأجواء رحبة : ” الحب كالطيران / لابد له من الأجنحة ،/ من الريش ، / ومن الريح . ” ص15 ، في استعمال لمفردات من معجم الطيران ( الأجنحة ، الريش ، الريح ) ، وموضوع المفارقة في شقها الأدبي الإبداعي ؛ حيث يتم الاحتفاء بالشعراء في بلدان متقدمة كفرنسا ، بينما يظل الالتفات إلى وضعهم الاعتباري في بلد الشاعرة حلما يصعب بلوغه : ” تحلم أن يحتفي وطنها / ذات عمر بميلاد الشعراء / كما تحتفي فرنسا ب « رامبو« . ” ص 85، موازاة مع ما تزخر به المجموعة الشعرية من ثنائيات ضدية : ” وأقيم عرسا أو مأتما على ورق… ” ص19 ، فيقابل العرس المأتم ، والقلة الكثرة في قولها : ” أبصر قليلا / أحب كثيرا … ” ص 46، وموضوع التاريخ الذي تجسده أحداث وطنية كالمسيرة الخضراء التي شارك فيها ثلاثمائة وخمسين ألف من المتطوعات والمتطوعين : ” بعد الثلاث مائة وخمسين ألف مشاء للمسير ة الخضراء.. ” ص 88، وحدث انتشار وباء كورونا ، وما أحاط به من جدل ونقاش حول جدوى التلقيح وفعاليته : ” الآن لم أتحمس للاحتجاج ضد التلقيح المشبوه ، / مددت ذراعي ثلاثا عن طواعية ، / لأنني مولعة بالسفر / إلى حد السفر / أو الموت .. ” ص88، في إشارة إلى إلزامية التلقيح لمن يرغب في السفر خصوصا خارج الوطن مما حتم عليها استنفاد جرعات التلقيح الثلاث ، وما صاحب ذلك من تنديد واستنكار في صفوف فئات عريضة من المواطنين ؛ ومنهم من امتنع عن أخذ التلقيح كاملا أو اكتفى بجرعة أو جرعتين . ولا تفوت الإشارة كذلك إلى عنصر” الأنا ” وما أضفاه على نصوص الأضمومة من بوح لا يخلو من جمالية في التعبير والمعنى وهو ما يطالعنا من أول عنوان لأول نص ” قطعا لست أنا ” ليتواصل مده وامتداده في بقية النصوص حيث تقول الشاعرة في ” هكذا أنا ” : ” هكذا أنا ، / عندما يضل النهر عن مجراه / أصبح على أهبة لأصير ساقية … ” ص12، في تفاعل مع جريان مياه النهر وتتحول ، الشاعرة ، إلى ساقية تستقبل هده المياه الزائغة عن منبعها ، وإلى شجرة : ” أنا الشجرة التي يسيل دمها / عند قطع الأغصان … ” ص13، مع تصوير ما تتعرض له الشجرة من ألم ناجم عن بتر أغصانها ، وما يشكله ذلك من حيف وجور تتقاسمه معها أنا الشاعرة متحملة وزر الإحساس الممض ببترجزء من ذاتها وكيانها ظلما وتعسفا . مع طرح سؤال يستجلي أغوار كينونة الهوية وعلاقتها المستشكلة في مدى ارتباط الذات بالذات ! مفصحة عن ذلك : ” فهل كنت يوما ” أنا ” ؟ خالية الوفاض إلا من أنا ؟ ” ص 41، لتنفتح الأنا على آفاق لامتناهية ولا محدودة : ” هي ذي أنا / التي .. / والتي .. / والتي … ” ص 67.
كما ورد ذكر مجموعة من أعلام من سياسيين ك ” بروتس ” الروماني والذي شغل منصب عضو مجلس الشيوخ الروماني ، وعرف بمشاركته في مؤامرة اغتيال يوليوس قيصر ، وتشي جيفارا قائد الثورة الكوبية : ” ربما «قيصر« أيضا / كان سيقول ل« بروتس « / أنا أستحق . ” ص47، ودينيين كأبي ذر الغفاري : ” أم أنك ستتوه / بين مسبحة « أبي ذر … ” ، وعلماء اجتماع كابن خلدون : ” والشعراء النظامين / الذين تنبأ « ابن خلدون «…/ لتواجدهم الطافي. ” ص 50، وشعراء من قبيل الشاعر العباسي أبي نواس : ” ودن أبي نواس .. ” ص73، والعراقية نازك الملائكة ، والفلسطينية فدوى طوقان : ” أقتفي أثر نازك أو فدوى . ” ص99. وهوما يعبر عن مدى اطلاع الشاعرة الواسع ،وانفتاحها على شتى ألوان الفكر والسياسة والإبداع وصنوفها.
ديوان ” ساعبر جسر القصيدة ” يحظى بميزات وخاصيات إبداعية عديدة اعتمادا على أدوات وعناصر مجازية وإيقاعية ودلالية أكسبتها مقدرات تعبيرية بارزة على مستوى طرائق التصوير والصياغة والتشكيل.
















































عذراً التعليقات مغلقة