كتب : صباح البغدادي
يقال في سردية الغوص في الفضاء الإعلامي المترامي الأطراف بان الثقة المهنية هي رأس مال الصحفي أو الكاتب أو الإعلامي , في كشف مختلف خفايا وخلفيات الأحداث السياسية وكذلك في سياق العمل الصحفي الاستقصائي، وبالنتيجة فأن هذه الثقة المتبادلة ينتج عنها معلومات أو أخبار قد تكون خافية بصورة أو بأخرى , فثقة “المصادر” ومن واقع العمل الوظيفية والمسؤولية الملقاة على عاتقهم بالكاتب أو الصحفي أو الإعلامي وخاصة تلك ” المصادر” التي تتحرك في أروقة دوائر صنع القرار أو تكون قريبة منها , وتطلّع بدورها وبحكم الوظيفية المهنية على خفايا الأحداث والتي تشكل بالتالي رأس المال الحقيقي لنقل الخبر او المعلومة للرأي العام . هذه الثقة المتبادلة التي تكتسب بمرور الوقت ليست منّة أو هبة متبادلة، بل هي في حقيقة الأمر تترجم بمرور الزمن إلى رصيد معرفي يتراكم مع الوقت ومن خلال مناقشات وحوارات متعددة، وتبادل للرؤى، وتواصل مهني قائم على مبادئ الثقة والمصداقية والاحترام المتبادل . وهذه علاقة لا تنشأ بين ليلة وضحاها، بل تتشكل عبر محطات متتالية من النقاش الجاد، والالتزام بآداب المهنة، والحرص على الدقة في النقل والتحليل والإيضاح والحوار . ومع مرور الوقت، تتحول هذه الثقة إلى جسر متين يمكن العبور من خلاله إلى مناطق حساسة وان كانت مغلقة سابقاً ، وفهم تعقيدات كانت غامضة في السابق . وهي التي تتيح للمهتم بالشأن الإعلامي الوصول إلى تلك الزوايا الخفية التي تكتمل بها الصورة، وتتضح فيها الحقيقة . ففي النهاية ، ليست الثقة وحدها مجرد علاقة شخصية بين طرفين ، بل هي أداة مهنية تخدم العمل وتثري المحتوى الإعلامي ، وتسهم في تقديم رؤية أعمق وأشمل للجمهور الرأي العام.
ظهور اوجلان
في التاسع من تموز، ظهر زعيم حزب العمال الكردستاني “عبد الله أوجلان” في تسجيل مصور لأول مرة منذ اعتقاله عام 1999، وأعلن في حينها صراحة “طي صفحة الكفاح المسلح” ودعا في الوقت نفسه إلى “التوجه الكامل نحو السياسة الديمقراطية واحترام سيادة القانون”. ترجمة لهذا السلام على أرض الواقع فقد كان يوم الجمعة 11 تموز 2025، من تشكيل صورة حية الرمزية الاتفاق وترسيخ مفهوم مبدأ “السلام” حيث انطلقت مراسم رمزية تسليم الأسلحة في مدينة السليمانية، وأعلن الناطق باسم حزب العمال الكردستاني أن مجموعة من المقاتلين ستقوم بتدمير أسلحتها تحت إشراف مؤسسات مدنية، وأن بعض الأسلحة الخفيفة ستحرق بشكل رمزي “لطمأنه الأتراك بأن السلام لا رجعة فيه”.
في أعقاب الاتفاق السلام المُعلن بين تركيا والحركة الكردية، والذي يُوصف بأنه “تاريخي ولا رجعة فيه”، حاليآ تتحرك في الخفاء أطراف متعددة لتحويل هذا “السلام” إلى ورقة رابحة في صفقة أسلحةٍ يُحكى عنها همساً كمشروع ومقترح تم مناقشته بين قادة الفصائل الولائية المسلحة وقيادات من “الحشد الشعبي” وبناءً على معلومات من مصادر خاصة داخل مؤسسات عراقية لتحليل أنماط الصراع في المنطقة، وسوف نسلط الضوء قدر الإمكان وحسب ما وصلنا على مقترحٍ خطيرٍ يجمع بين المصالح المتضاربة والوعود السلمية وأجندات خفية ، قد تُعيد معها تموضع الأسلحة في مسارٍ جديد يهدد استقرار المنطقة في المستقبل .
شراء الترسانة
هذه المقترحات من داخل “الحشد الشعبي” تتمثل لفكرة شراء الترسانة الاستراتيجية الهائلة التي يمتلكها (حزب العمال الكردستاني PKK) والتي تشتمل على مختلف الأنواع لمعدات عسكرية وأعتدة بالسلاح الخفيف والمتوسط والثقيل ولكن الأهم كذلك باحتواء هذه الترسانة العسكرية على صواريخ “ستريلا” المُضادة للطائرات، وطائرات مسيّرة مفخخة، إلى جانب الصواريخ الحرارية المضادة للدروع. المقترح المقدم بمثابة الواجهة الإنسانية وهو الهدف المُعلن لتمويل منح مالية ضخمة لمقاتلي الحزب السابقين، لمساعدتهم على الاندماج في الحياة المدنية والسياسية، والقطع نهائيا مع الماضي المسلح الذي تعودوا عليه طيلة الأربع عقود الماضية . وهو بمثابة الحل أو لنقل بصورة اكثر وضوح “الربح للجميع” ويُعرض معها هذا المقترح وكحلٍّ ثلاثي المكاسب: إنهاء “إشكالية” الـ PKK للأتراك، وتأمين مستقبل المقاتلين الأكراد، وإظهار مؤسسة “الحشد الشعبي” كطرف فاعل في صنع السلام.وهذا ما يكرسه الان الزيارة المفاجئة التي يقوم بها رئيس هيئة الحشد الشعبي السيد “فالح الفياض” الى تركيا ضمن وفد رسمي وحسب ما سرب لنا من خبر بان مكتب رئيس الوزراء ” السوداني ” لن يكون موافق على هذه الزيارة التي قام بها السيد “الفياض” وجرت دون استشارتهم لان السيد السوداني بدوره كان يفضل ان تتم الزيارة من قبل الأطراف المعنية والمؤسسات الدستورية التي تقع على عاتقها مسؤولية التباحث حول هذه الملفات حصرآ دون غيرها من المؤسسات الأخرى والتي تتمثل بــ “جهاز الامن الوطني ” او ” جهاز المخابرات ” ولكن زيارة رئيس هيئة الحشد الى تركيا ، تترجم بشكل واضح وصريح بان القضية تتعلق بالحشد دون غيره من المؤسسات الأمنية والاستخبارية الأخرى إضافة الى بحث ملفات التواجد مقاتلين حزب العمال الكردستاني ولان تركيا بدورها تعتبر بان هذا الحزب وقوات سوريا الديمقراطية وجهان لعملة واحدة وأن هناك مؤشرات لدى الأتراك قوية وتخوف بان يتم استقطاب المقاتلين حزب العمال الى قوات سورية الديمقراطية نظرا لتمرسهم وخبرتهم في القتال وهذا ما لا تريده تركيا حاليآ . لذا كانت زيارة “الفياض” لطمأنة الجانب التركي بانهم سوف يبقون بمعسكرات وإمكان يتم حمايتها ومراقبتها من قبل فصائل الحشد الشعبي ما دام راغبين بالبقاء في العراق وبمقابل الموافقة الضمنية لشراء المعدات العسكرية بدلا من تدميرها
ولكن ما وراء الكواليس أو بين التفاصيل “الشيطان يكمن في التفاصيل” حيث تتشابك خيوطها مع الشبكة الإقليمية والمصالح الخفية وفي كشف الطبقات العميقة لهذه الصفقة ومنها الاتي :(*) الطرف الإيراني دخل على هذا الخط بقوة ودعم ومن خلال السفارة الإيرانية في بغداد والهدف الاستراتيجي الحقيقي من وراءه مساندة هذا المقترح لشراء الأسلحة وتطبيقه على ارض الواقع ومن خلال ميزانية الحشد الشعبي ويتمثل بالتسليح البديل وتشير ألينا هذه المصادر إلى أن الوجه الحقيقي للصفقة هو توجيه هذه الأسلحة إلى “الفصائل المسلحة الموالية لإيران” داخل العراق وسوريا. ولان جودة العتاد وترسانة الـ PKK التي راكمها على مدى أكثر من 4 عقود تشمل أسلحة نوعية مثل الصواريخ المضادة للطائرات، ومضادات الدروع الحرارية، والطائرات المسيرة القتالية – وهي أسلحة تغير موازين القوى المحلية. ولكن معها يبقى لنا ان نطرح السؤال المحوري والذي يتمثل , لماذا الآن وفي هذا التوقيت بالتحديد ؟ هل هو تعويض لفصائل إيرانية عن خسائر محتملة ؟ أم تحضير لمواجهات مستقبلية قد تندلع في قادم الأيام وبالأخص المواجهة المحتملة بين إسرائيل و أيران ما تزال رمادها ساخن ؟ أم انه فقط مجرد استغلال فرصة لنقل أسلحة متطورة إلى حلفاء دون عناء تكلفة التصنيع والشراء ؟ ما دام ان النقل من المخازن لن يكلف أي تكلفة مادية باهظة الثمن وقريبة جدآ من المواقع والمعسكرات ومقرات فصائل الحشد الشعبي المنتشرة بدورها في معظم محافظات الشمال والوسط والجنوب .
(*) دخول إقليم كردستان حال تسريب ووصول الاخبار إلى القيادات وبشان الوساطة ذات الثمن المدفوع وتدخل “قيادة البيشمركة في أربيل” كوسيط أساسي لدفع أموال الصفقة، بدافع حل “المعضلة الأمنية” المزمنة مع الـ PKK في مناطقها، والتي كانت سبباً رئيسياً للتوتر مع أنقرة . ولكن هذا الدور يضعها في موقف بالغ الحساسية ومن خلال كيفية التوفيق بين مصلحتها الداخلية وعلاقتها بأنقرة من جهة، والضغوط والأجندات الأخرى المتداخلة من جهة أخرى وبالأخص إيران وأمريكا .
(*) الأهم والمهم يتمثل بكيفية فهم واستقطاب الموقف التركي ومصداقية الضمانات التي سوف تعطيها الأطراف المتنازعة على صفقة شراء الأسلحة لأن ما تزال شكوكٌ الأتراك قائمة ولن تموت رغم اتفاقية “السلام”، أنقرة ولغاية الآن ترفض أي خيار أخر إلا التدمير الكامل والشامل لهذه الأسلحة، وترغب في الإشراف المباشر على هذه العملية. لان سيناريو الرفض التركي وإذا اكتشفت أنقرة أن الصفقة تمت لبيع هذه الأسلحة ، فإن خياراتها العقابية؟ قد تكون جاهزة وقد تتمثل بتصعيد عسكرياً ضد مواقع جديدة داخل العراق؟ وفرض عقوبات اقتصادية محتملة على بغداد أو أربيل؟ وحتى قد يكون انهياراً كاملاً للاتفاق السلامي الجديد؟ لذا أتت زيارة رئيس الهيئة الحشد الشعبي “الفياض” الى تركيا لغرض محاولة تذليل أي عقبة مع إعطاء ضمانات اكيدة للجانب التركي .
(*) دور الحكومة العراقية في بغداد وهو الطرف الغائب والحاسم في أتمام هذه الصفقة من عدمها ؟ وكذلك تبقى معضلة أخرى وتتمثل بالثغرة اللوجستية وكيفية وطريقة تنتقل الأسلحة ؟ لان نقل ترسانة ضخمة من مخابئ الـ PKK في الجبال إلى الفصائل الولائية هو عملية شبه مستحيلة دون أن تكتشفها الأقمار الاصطناعية الأمريكية. هذه النقطة وحدها قد تكون كفيلة بإفشال الخطة برمتها لان الامريكان بدورهم يراقبون عن كثب مساء هذه الصفقة ونتائجها وبعدها يكون لهم موقف حازم وقوي على الرغم من أن التاثير الأمريكي على الجانب التركي سيكون واضح ومن خلال الضغط بتدمير الأسلحة .
علمتنا الاحداث السياسية طوال اكثر من عقدين وبعد عام 2003 بان أي اتفاق “سلام” الذي يسعى اليه البعض ويتمثل المنشود والمرتقب ، نادراً ما يكون له نقطة نهاية. وإنه بالأساس ينظر اليه غالباً ما يكون مجرد “محطة” فقط لإعادة ترتيب الأوراق وتحويل المسارات مرة أخرى إلى جهات غير مرئية وخافية . وكما نشاهد حاليا وكمثال حي وصريح من خروقات واضحة وعلنية لاتفاق وقف إطلاق النار في ” قطاع غزة ” نحن نعتقد بان مقترح “صفقة السلاح” قد يكون ليس فقط مجرد بيع وشراء أسلحة وحل مشكلة ظاهرها “انساني” وباطنها إعادة تسليح ، بل هي اختبار لتحالفات جديدة ، ونوايا خفية غير معلنة ، ولكن يبقى لنا أن نتشارك مع الراي العام عن السؤال الجوهري والحيوي الذي تتركه مثل تلك الأفعال والتوجهات عن مصداقية هذا “السلام” وأن يدفن معه آخر جمرة للصراع “التركي الكردي” أم أنه سيكون الوقود الذي يشتعل تحت الرماد ليُنتج حرباً أخرى وبأدوات مختلفة ولكن بأطرافٍ نفسهم وقد نرها في قريبآ في سوريا وفي أماكن سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ؟ وفي ظل هذه التحركات المعقدة، نرى بان الاتفاق المبرم بين الأتراك والأكراد، والذي يُروج له على أنه “سلام لا رجعة فيه”، يواجه اختباره الحقيقي مع هذه الصفقة ومصير مقاتلين حزب العمال الكردستاني إذا تم له ما يريدونه او اذا تم استقطابهم لمعاودة القتال لان بعض قياداتهم كانوا ما يزالون يتمنون أن يدوم الصراع الى ما لانهاية وأن يرثه الأبناء والأحفاد لغاية قيام دولة كردية مستقلة , لان هذا التمني اشبه بالأحلام والامنيات في المخيلة والعقل الجمعي العربي بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف .















































عذراً التعليقات مغلقة