الأدب والأحلام: جدلية التخييل والتأويل 

14 أكتوبر 2025
الأدب والأحلام: جدلية التخييل والتأويل 

شيماء اضباني

باحثة بسلك الدكتوراه من المغرب

تخصص: فلسفة الفن والجماليات

يمكن اعتبار الأحلام محاكاة بمعناها الأفلاطوني فهي قبل كل شيء مشترك بين جميع البشر، وهناك من يذهب إلى أن الأحلام مجرد تخيلات خالية وفارغة من المعنى، في حين يعتبرها الآخرين رسائل إلهية، كما أن الأحلام منبع ومصدر للإلهام عند العديد من الأدباء والمفكرين، ولها غايات متعددة؛ كإبداع القصص الأدبية. 

في هذه الصدد، ينفتح الأدب على الأحلام، في حين يشكل الأخير جزءا مهما في أهم الأعمال الأدبية حيث تترجم لغة الأحلام إلى لغة روائية في قالب جمالي، وكذا تغدو الأحلام تعبيرا جماليا عن أصدق المشاعر الإنسانية؛ حيث نجد عدة تقاطعات في غاية الأهمية بين الأحلام من جانب والمخيلة الأدبية من جانب آخر. 

كانت الأحلام ومازالت محطة اهتمام، وتفسير وتأويل في شتى الثقافات بلغتها الخاصة التي تميزها، تجسدت في الحضارات القديمة بوصفها رسائل من الآلهة تحمل تنبؤات بالمستقبل؛ في هذا السياق عُدَّت الأحلام حاملة لعدة دلالات قابلة للتفسير من قِبل الكهنة والحكماء: «فلم تُعتبر الأحلام في زمن هوميروس– على سبيل المثال – تجربة داخلية مولدة ذاتيا، بل رسلا من إله أو ميت ما … وكانت قيمتها مرتبطة بدقتها التنبُّئية، وما إذا كانت قد أتت من بوابات قرن أو عاج» 1 .

خلافا للرأي القائل بكون الأحلام رسائل إلهية، في العصور الوسطى نجد أن الأحلام  كانت وسيلة للاتصال بالله أو الشيطان، ومن ثَمَّةَ أصبح للأحلام وجهان؛ إما أن تكون رسائل إلهية أو أن تكون تحذيرات من الشيطان: «ومع مجيء التراث اليهودي المسيحي، أصبح مفهوم الأحلام الحقيقية في مقابل تلك الشريرة».2

في العصر الحديث ومع التحليل النفسي في القرن التاسع عشر، اعتبرت الأحلام مفتاحا لفهم اللاوعي والرغبات المكبوتة، مع كتاب “تأويل الأحلام” لمؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد الذي يعد مرجعا مهما في فهم النفس البشرية، حيث يلعب اللاوعي دورا حاسما  في تشكل الأحلام: «فالحلم كما قال فرويد بحق يعتبر الطريق السلطاني إلى مكامن اللاشعور»3، وهنا  وقع تحول في تصور ماهية الأحلام ودورها، لقد أصبحت حاملة لتاريخ الشخص، لم تعد لها تلك الطبيعة التنبئية المرتبطة بالمستقبل، بل صارت على صلة بالماضي، بذاكرة الإنسان وما تعلق بها من آثار وندوب هي جزء من لاوعيه الذي يتحكم من حيث لا يدري في كثير من سلوكاته. في الأحلام يتجه التأويل إلى الماضي، على عكس تأويل الأحلام في بعده اللاهوتي، حيث الاتجاه إلى المستقبل.

الأحلام تعد أداة قوية في التحليل النفسي، عن طريقها ومن خلالها يمكن فهم الصراعات الداخلية «كان من الطبيعي أن تنتهي فكرة أن تفسير الأحلام هو – قبل أي شيء آخر – الطريق الملكي إلى معرفة نشاطات العقل اللاواعية، كما أسماها فرويد، إلى اعتبار الأحلام غالبا كوسيلة لهدف، وباب المحلل النفسي إلى عالم خبرات المريض الطفولية المحجوبة، ورغباته ودوافعه الطفولية المكبوتة4».

أيضا يمكننا الإشارة إلى أن كتاب “تأويل الأحلام” على الأدب هو تأثير عميق، حيث ألهم العديد من الكتاب لاستكشاف عالم الأحلام في عالمهم الإبداعي.

يبرز الحلم قدرة العقل على تشكيل المعنى والجمال دون وعي، لكونه حرا من كل رقابة، بتعبير آخر عن طريق الحرية المطلقة الخالية من كل القيود. حيث تبرز لنا الأحلام بشكل واضح في الكتابة الإبداعية، في الرواية يمكن للحلم أن يستخدم كمرآة جمالية للتعبير عن الصراعات الداخلية للشخصيات. ومن ثمة لا ينحصر حضور الأحلام في الرواية في كونها تحمل أبعادا جمالية فقط بل تحمل أيضا دورا فلسفيا وتأويليا. حضور الحلم في الرواية يعكس مكانته الخاصة في تجاوز الواقع إلى الغوص في أعماق النفس البشرية الأكثر تعقيدا.

تبرز الأحلام بشكل واضح في الأعمال الأدبية، وهذا لا يخفى من خلال أعظم الكتابات الأدبية، إلى درجة تصدر فيها “الحلم” عناوين كثيرة من الأعمال الأدبية والفلسفية، نذكر منهاعلى سبيل المثال لا الحصر: “حلم امرأة مضحكة” و “حلم العم” لدستويفسكي،”الحالمون لجيلبرت أدير، “الماء والأحلام” لغاستون باشلار، “أحلام الفلاسفة” لسلامة موسى، و”أحلام فترة النقاهة” لنجيب محفوظ.  

في رواية “حلم العم” للأديب الروسي دستويفسكي لم تركز الرواية على الأحلام بشكل مباشر بمعناه الخيالي أو الفنتازي، بل تجسد الحلم هنا للسخرية والتأمل في طبيعة الإنسان من أجل السبر في أعماق النفس البشرية، وكذا كرمز للخطط والمكائد التي تحاكي الواقع الاجتماعي. تبرز لنا الرواية أيضا كيف يمكن للأحلام والطموحات أن تستعمل كأداة للتلاعب والسيطرة على الآخرين.

في كتاب ” الماء والأحلام” للكاتب الفرنسي غاستون باشلار يقدم لنا رؤية أدبية فلسفية بامتياز حول دور الماء في تشكيل الخيال البشري والأحلام.

 كتاب “أحلام الفلاسفة” لسلامة موسى يضم بين ضفتيه أهم الأحلام المتنوعة التي رسمها الفلاسفة القدماء والمحدثون لتخيلهم رؤية إصلاح مجتمعهم ومستقبل الإنسانية، بدءا من جمهورية أفلاطون إلى توماس مور في عصر النهضة، حيث توالت الأحلام  لحدود الآن يقول: « والأحلام – سواء أكانت من رؤى اليقظة أم من رؤى النوم – دليل على شهوات أو رغبات لا يحققها الوعي أو اليقظة التامة5 ».

الأحلام تعكس الصراعات الداخلية التي يعيشها الإنسان، والأدب يحلل هاته الصراعات ويعيد تشكيلها سرديا لتصبح جزءا مهما في العملية الإبداعية الأدبية. وهو ما خلده الأدب العالمي في الحدث الأول الذي اختاره الكاتب الألماني فرانز كافكا ليستهل به عمله الاستثنائي “المسخ “«حين أفاق غريغور سامسا ذات صباح من أحلام مزعجة، وجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة ضخمة6». هنا الأحلام تعبير عن إحساس غريغور بطل القصة بالغربة والعزلة وانمساخ الإنسانية بعمق فلسفي.

للأحلام دلالات تعبيرية لانفعالات مجازية، لم يعد ينظر إلى الأحلام على أنها رموز لرغبات مكبوتة قمعية، وأيضا مصدرا للإبداع والخيال فقط، إنها تقدم أيضا أفكارا ورؤى جديدة. وهو ما يبرز لنا بوضوح عنما تتفاعل الأحلام مع المخيلة الأدبية، حيث نصبح بصدد إبداع الظاهرة الحلمية من خلال الدور الذي تجسده الأحلام في القصص الخيالية، لكون الحلم جزءًا أساسيا من العملية الإبداعية وفي بعض الأحيان يمكن أن يكون الحلم تجربة شخصية عاشها المؤلف لتبرز بوضوح في العمل الأدبي :«دعونا نتناول رواية دوريس ليسينغ “الصيف قبل الظلام (1973)” التي تتضمن حلما  يتخلله ذاك الإحساس بالأسطورة، والذي حلمت به المؤلفة ذاتها في أوائل السبعينات من القرن الماضي7 ». يتجسد الحلم في هذا القالب الروائي مع الروائية البريطانية ليسينغ كتجربة شخصية، ومن ثمةَ نجد أن الكتابة الأدبية هي التي تعيد خلق الخبرة الحلمية وإعادة إيقاظها مرة أخرى عن طريق الكتابة الإبداعية حيث « هناك تشابهات تركيبية لا يمكن إنكارها بين الأحلام والقصص الخيالية، إذ ينشأ كلاهما من العقل الأدبي ذاته8 ». الأدباء يلجؤون لاستخدام الحلم من أجل إبداع لحظات شعرية.

ختاما يمكننا القول بأن الأحلام شكل من أشكال التفكير الخالي من القيود والرقابات، مما يجعلها منبعا للخيال والإبداع بلغتها الخاصة التي تميزها في التعبير، أو أداة للتحليل النفسي من أجل فهم عميق للشخصيات في الأعمال الأدبية، فالصلة وثيقة بين الأحلام والإلهام الأدبي. فعندما تمتزج جماليات الأدب بتأويليات الحلم نغدو أمام تجربة إبداعية تغوص عميقا في ما لا تستطيع التجربة الحسية أو العقلية إدراكه، لا تكتفي بمد الأدب بمحفزات تخييلية، بل تمده أيضا بخبرة جمالية وتأويلية ترتقي  إلى مستوى المعرفة المنتجة للمعنى والفهم.

*****

1- سلام خير بك، من مقدمة كتاب: الفلسفة والحلم والمخيلة الأدبية، ميكائيلا شراغه فرو، ص: 14.

2-  المرجع نفسه، ص: 15.

3-  محمد فؤاد جلال، مبادئ التحليل النفسي، ص: 107.

4- محمد فؤاد جلال، مبادئ التحليل النفسي، مرجع سابق، ص: 38.

5- سلامة موسى، أحلام الفلاسفة، ص: 70

6- فرانز كافكا، المسخ، ص: 5.

7- الفلسفة والحلم والمخيلة الأدبية، ص: 189.

8- الفلسفة والحلم والمخيلة الأدبية، ص: 188.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com