إصلاح المنظومة السياسية المغربية ..تجديد التمثيلية و بناء الثقة

29 أكتوبر 2025
إصلاح المنظومة السياسية المغربية ..تجديد التمثيلية و بناء الثقة

بقلم د.محمد كرواوي*

كاتب من المغرب

يشكل المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس يوم الأحد 19 أكتوبر 2025 محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي بالمغرب، إذ صودق خلاله على مشروعي قانونين تنظيميين يخصان مجلس النواب والأحزاب السياسية، في خطوة تعيد رسم ملامح المشهد الحزبي والبرلماني استعدادا للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026. ويبدو أن جوهر هذه الإصلاحات يتمثل في جعل المشاركة السياسية للشباب والنساء رافعة أساسية لتجديد النخب وإحياء الثقة بين المجتمع والدولة.

ينتمي هذان القانونان إلى سياق دستوري أوسع يرسخ مبادئ المساواة والتمثيلية الديمقراطية المنصوص عليها في دستور 2011، لكنهما يذهبان أبعد من ذلك نحو إعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة. فالقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب يسعى إلى تخليق الحياة الانتخابية وضمان نزاهتها، عبر آليات جديدة تجعل العملية الانتخابية أكثر انفتاحا وعدلا. أما القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، فيروم تحديث البنية الداخلية للأحزاب وضمان تجديد نخبها، بحيث تصبح قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والجيلية التي يعرفها المغرب.

على مستوى مجلس النواب، تضمن مشروع القانون التنظيمي مجموعة من المستجدات النوعية التي تستجيب لمطلب تجديد التمثيلية السياسية. أبرز هذه المقتضيات تخفيض سن الترشح إلى 21 سنة، وفتح لوائح جهوية خاصة بالشباب دون 35 سنة، مع تخصيص دعم مالي للحملات الانتخابية يصل إلى 75 بالمئة من مجموع مصاريفها. كما أدرج المشروع إجراءات إضافية لتشديد المراقبة على التمويل الانتخابي، من خلال إلزام المترشحين بالتصريح المسبق بالمصاريف وبنشر تقرير مفصل للمجلس الأعلى للحسابات بعد كل استحقاق. بهذه الخطوة، يصبح القانون التنظيمي الجديد وسيلة عملية لتمكين الشباب ماديا وقانونيا من دخول الحياة السياسية، بدل أن يبقوا على هامشها.

أما على مستوى الأحزاب السياسية، فيسعى مشروع تعديل القانون التنظيمي رقم 29.11 إلى إرساء قواعد ديمقراطية داخلية أكثر صرامة، من خلال إدراج مبدأ “تناوب الأجيال” كأحد المبادئ المؤطرة للحياة الحزبية. فالمشروع يلزم الأحزاب بتخصيص ما لا يقل عن 20 بالمئة من المناصب القيادية التنفيذية للشباب دون الأربعين سنة، ويفرض عليها تخصيص نسب دنيا من التزكيات للشباب والنساء في الانتخابات المقبلة. كما يربط التمويل العمومي السنوي بدرجة احترام الحزب لمبدأي الشفافية والمناصفة، وبمدى إشراكه الفعلي للشباب في أجهزته. وبذلك، يتحول الدعم العمومي من مجرد مورد مالي إلى أداة لتقويم السلوك السياسي وضمان تجديد الدماء في التنظيمات الحزبية.

تكمن العلاقة الجوهرية بين القانونين في كونهما يعالجان مستويين متكاملين من الإصلاح: فالقانون المتعلق بمجلس النواب يصلح البنية الخارجية للتمثيل السياسي، بينما قانون الأحزاب يصلح بنيتها الداخلية. الأول يمكن الشباب من حق الترشح والمنافسة الانتخابية، والثاني يهيئهم تنظيميا ويمنحهم فضاء حقيقيا لصقل كفاءاتهم السياسية. ومن ثم، فهما يشكلان معا منظومة متكاملة تعيد ربط “الشرعية الانتخابية” بـ”الشرعية التنظيمية”، وتجعل تجديد النخب نتيجة طبيعية لتكامل القانونين لا لصدفة ظرفية.

ومن الناحية السياسية، يتجاوز هذا الإصلاح منطق التمثيلية العددية إلى منطق التمثيلية النوعية. إذ لا يكفي إدماج الشباب في اللوائح الانتخابية ما لم يواكب ذلك بتحول ثقافي داخل الأحزاب نفسها، يسمح لهم بالمشاركة الفعلية في صنع القرار لا بمجرد تزيين الصورة الانتخابية. لذلك، جاء مشروع قانون الأحزاب ليمنح المشاركة الشبابية مضمونا مؤسسيا مستداما، بدل أن تبقى رهينة للمواسم الانتخابية.

ويلاحظ أن هذا التوجه الإصلاحي الجديد يستجيب أيضا لتحديات الواقع السياسي المغربي، الذي عرف خلال السنوات الأخيرة تراجعا في نسب المشاركة وارتفاعا في مؤشرات العزوف الانتخابي، خصوصا بين فئة الشباب. فالرهان اليوم ليس فقط على تمكينهم من التصويت أو الترشح، بل على استعادتهم كقوة اقتراحية قادرة على صياغة سياسات عمومية تواكب حاجاتهم. ومن هنا تبرز أهمية المقتضيات التي تحفز الأحزاب على إنشاء مدارس للتكوين السياسي ومراكز للدراسات، ما سيسهم في تكوين جيل جديد من الفاعلين السياسيين المتمكنين معرفيا وقيميا.

كما لا يمكن إغفال البعد المالي في الإصلاحين، إذ إن تحويل الدعم العمومي إلى أداة تقييم وربط صرفه بالحكامة الداخلية والشفافية يمثل نقلة نوعية في ضبط المال السياسي. فبهذا التوجه، يصبح الدعم العمومي وسيلة للمساءلة بدل أن يكون أداة للمحاباة، ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في الحقل الحزبي والانتخابي على حد سواء.

إن مجمل هذه الإجراءات تعبر عن إرادة سياسية واضحة للانتقال من مرحلة “الإصلاح بالقانون” إلى مرحلة “الإصلاح بالممارسة”. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في سن النصوص، بل في ضمان تطبيقها الفعلي بروحها لا بحرفها، بما يعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة. وإذا كان دستور 2011 قد وضع الإطار المرجعي للدمقرطة، فإن إصلاحات 2025 تأتي لتفعيله عمليا على مستوى القوانين التنظيمية، تمهيدا لتجديد العقد السياسي بين الدولة والمجتمع.

إن ما يميز هذا الإصلاح أنه لا يكتفي بإعادة توزيع الأدوار داخل الحقل السياسي، بل يسعى إلى إعادة إنتاج النخب على أسس الكفاءة والنزاهة والمواطنة الفاعلة. فبقدر ما يفتح القانون التنظيمي لمجلس النواب أبواب البرلمان أمام جيل جديد، يضمن القانون التنظيمي للأحزاب أن تكون تلك الأبواب مشرعة عبر مؤسسات حزبية مسؤولة ومنفتحة. وهكذا، يصبح الشباب ليسوا مجرد فئة مستهدفة بالتحفيز، بل محورا لإعادة تعريف السياسة ذاتها بوصفها ممارسة جماعية لبناء المستقبل.

وفي النهاية، فإن نجاح هذه الإصلاحات مرهون بمدى التزام الأحزاب بتفعيلها في الواقع، وبقدرة الدولة على توفير بيئة سياسية وإعلامية تشجع على الثقة والمساءلة. فالقانونان الجديدان ليسا مجرد نصوص تشريعية، بل هما إعلان نوايا لبداية دورة سياسية جديدة عنوانها تجديد النخب، وتوسيع المشاركة، وإعادة الاعتبار للفعل السياسي النزيه والمسؤول.

*كاتب وأكاديمي مغربي

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com