د. خالد زغريت
كاتب من سوريا
لا أدري لماذا يتكافل الجميع في غبن العرب حقوقهم وإنجازاتهم الحضارية، أهي الغيرة من مجدهم-الذي في رأسه نار لا يضلها العميان، أو في قصائد فخارهم التي غطت الرمال العربية إشادة بسبقهم بصنع الحضارة على مر العصور، أم ماذا، صحيح أنهم المشتغلون أبداً في الظل إلا أن ذلك ليس دليلاً على أن من يألف العتمة يصير خفاشاً، بل لأنهم العافون عند المقدرة، وشيمهم تمنعهم من أن يكونوا ثعالب، وهم الذين يردون البحيرة زائرين لا خباً ولا ملقاً.
أليسوا أول من ومن ومن، ألم يهبوا إكراماً لحاتم الطائي شمسهم للغرب، كما تؤكد زيغرد هونكه مكتفين بنعمة النجوم التي لا تنطفئ بانقطاع الكهرباء … لا يمكن لأحد أن يدعي اختراعاً أو اكتشافاً من دون تكية على عربي، فلماذا هذا الغبن، ولماذا الغرب (تحط حطا العرب، بالتعبير الشعبي) إنهم طرف المعادلة دائماً سواء المعتمة أو المضيئة، فلا يعرف الشيء إلا بضده، وبالتالي لن يتمتع الغرب بضوء حضارته، ولا يحس حلوها إن لم ير عتمتنا ويطعم مرنا.
لماذا يطبلون ليلاً نهاراً بإبداعهم العولمة، ويتجاهلون إبداعنا المعادل (اللوعمة) التي تعطي العولمة مشروعيتها، والحقيقة أنه ليس من خلاف بين إنجازنا، وإنجازهم إلا تقديم حرف وتأخير آخر ؛ لكن المفجع أننا مساكين بحضارة، وبدون حضارة، ومغبونون بحضارة وبدون حضارة، فحينما سادت حضارتنا، وقلعت عينهم ابتدعوا (الاستشراق) الذي غبنوا حضارتنا من خلاله كما تتحقق لإدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق). إذ قام الغرب بمعرفة الشرق / و دراسته وتصويره ووصفه / فصنفه بأنه متخلف، دوني، ليشّرع السيطرة عليه ويستعمره، فزيف الشرق، وأنشأه على هواه بغية الهيمنة، فبنى صورته على تضادات، كما يرى (سعيد ): الشرق اللاعقلاني، اللا أخلاقي، الغريب، الحسي، الكافر. مقابل الغرب العقلاني، الموضوعي، الطبيعي، الأخلاقي، المؤمن. ويضيف (سعيد) لم تقتصر إساءة الاستشراق على الشرق بل تعداه للغرب ذاته، إذ ركز على الفوقية الغربية، فعتّم على المشكلات الحقيقية التي تعصف به مما جنبه فرصة الرؤية العميقة لأزماته، و إبداع الحل لها.
لاحظوا أن إدوارد سعيد لم يخن أمانته العلمية، فلم يقصر دراسته في الاستشراق على كشف الغبن الذي لحق بالشرق من الغرب، بل نبه الغرب على خلله، وهو أي سعيد يختم كتابه الشهير الاستشراق برجائه ألا يفهم من كتابه الدعوة إلى الاستغراب أو إزاحة الغرب على تماس متمسكاً بأخلاقه العلمية الحميدة، بينما نجد الغرب ولقطاءه الذين أنبتهم من جلدتنا لا يتركون فرصة لإشعارنا بدونيتنا إلا و اقتنصها، حتى جعلنا نبدع مقابل عولمته لوعمتنا التي شط بعضنا في وجعه منها حتى أشرف على أن يؤسس جمعية الرفق بالعرب فهم إما مجلدون بالغرب وبفقرهم وبقمع رعاتهم … أو جالدون ذواتهم أسى على أنفسهم أو على إثم ماضيهم مع الغرب …
هكذا يريدنا الغرب وما منح مجلة نيويوركر الأمريكية طائرة الشهرة جائزتها لكتاب إدوارد سعيد (خارج المكان) إلا من هذا الضرب العولمي في جلد العرب واستجلادهم ذاتهم فهم أنفسهم الذين منحوه هذه الجائزة، هم الذين وصفوه قبل عشر سنوات (ببروفسور الإرهاب) (مجلة كومنتري الأمريكية ) كما أقاموا الدنيا، ولم يقعدوها عندما صدر الكتاب ذاته (خارج المكان) عن دار الفردتنويف في نيويورك (ضجة جستس رايد فاينر) فها هم يجلدون إدوارد سعيد، ويجلدوننا بجلده، ويستجلدون إدوارد سعيد لذاتهم لكثرة الجوائز العربية التي منحت لكتبه بالمقارنة مع الغرب كما يستجلدوننا ذواتنا بصنيعهم. فكم نحن بحاجة إلى إعادة قراءة استشراق إدوارد سعيد الذي رآه الغرب بمصاف نهاية التاريخ وصراع الحضارات أهم نتاجات القرن العشرين الفكرية.
بينما لم نره إلا اللهم إذا كانت الحادثة التي تدحض رأيي قبل أيام طلب أستاذ دكتور في الدراسات العليا من أحد تلامذته الذين يعتبرون مشاريع علماء أن يقدم له عرضا لكتاب الاستشراق ففتش الطالب المكتبات العامة، والخاصة لمدينة تسمى مدينة الشعراء فلم يظفر إلا بنسخة واحدة اقتناها أحد المثقفين الذين يحسب لهم كل حساب، لكن المفاجأة أن الكتاب لم يقرأ منه إلا المقدمة بينما لا يخلو منزل من فتاة تعرض على أحد أجزاء جسمها علما غربياً، وصورة لممثلي الغرب ومغنيه.
لكن أليس كل الحق على إدوارد سعيد الذي تخلف عن حضارتنا. و لو أنه غنى رضا الله وراضيناك لرقص العرب من المحيط إلى الخليج ممسكين بأيدي بعضهم في وحدة فريدة تخترق كل الحواجز والمشكلات الأخوية، بل إنها الحالة الوحيدة التي يرى فيها السلفيون الاختلاط (ضرورة تبيح المحرمات )

















































عذراً التعليقات مغلقة