مَن يصنع رئيس الوقف السني في العراق؟

19 سبتمبر 2025
مَن يصنع رئيس الوقف السني في العراق؟

من هيئة العلماء إلى المجمع الفقهي… حكاية منصبٍ يُدار بالتحالفات لا بالتزكيات وحدها

صورة من الفساد والدجل والتدليس لا مثيل لها الا في صورة الحكم السياسي الشمولي الديني القائم

منذ 2003 كان يُفترض أن يكون *ديوان الوقف السني* بيتًا جامعًا للمسلمين، لكنه تحوّل واقعيًا إلى مرآةٍ لصراع النفوذ داخل الساحة السنية، تتقاطع فيها السياسة بالدين، والداخلي بالإقليمي، البداية كانت مع هيئة علماء المسلمين التي ظهرت مباشرة بعد الغزو وحاولت تقديم نفسها مرجعية سنية شاملة؛ ثم تراجع نفوذها تدريجيًا بفعل المقاطعات والاصطفافات والصدام مع العملية السياسية، لتفرغ الساحة لمحاولة صناعة مرجعية بديلة أكثر قابلية للاشتباك مع الدولة، هنا ظهر المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء بوصفه المظلّة الدينية العملية الجديدة للسنة، وهي مظلة اكتسبت ثقلاً متزايدًا منذ نحو 2010، ثم تحوّلت قانونًا إلى “بوابة التعيين” لرئيس الديوان نفسه حين اشترط قانون الوقف السني رقم 56 لسنة 2012 موافقة المجمع قبل إصدار قرار التعيين بدرجة وزير، هذه المادة غيّرت قواعد اللعبة: من يومها لم يعد رئيس الوقف يمرّ بلا ختم المجمع الفقهي.  

لكن *من يمسك بالمجمع الفقهي وبحقل التزكيات المحيط به*؟ هنا تتبدّى منظومة الإخوان المسلمين بتجلياتها الحزبية والدعوية والتنظيمية. الحزب الإسلامي العراقي—الامتداد السياسي التاريخي للإخوان—كان اللاعب السُّني الأبرز في مجلس الحكم والمرحلة الانتقالية، وهو من دفع مبكرًا باتجاه شخصياتٍ قريبة منه لرئاسة الوقف، بدءًا من عدنان الدليمي الذي عُيّن رئيسًا للوقف بقرار مجلس الحكم (2003) وكان ذا خلفية إخوانية قديمة، قبل أن يُستبدل عام 2005 بالدكتور أحمد عبد الغفور السامرائي، هذه البدايات رسّخت مسار “التعيين عبر بوابة الإسلاميين المعتدلين” كما رآهم رعاة تلك المرحلة.  

ومع أفول هيئة العلماء، تمدّدت الحواضن الحركية للإخوان في قنواتٍ أخرى، فإلى جانب الحزب الإسلامي، برزت حركة العدل والإحسان بوصفها الذراع الأقوى تنظيميًا وفكريًا وماليًا للجماعة في العراق خلال السنوات الأخيرة، حتى وُصفت— في تقارير صحفية/بحثية حديثة— بأنها “الممثل الجديد للجماعة” بدلًا من الحزب الإسلامي في تمثيل الكتلة الإخوانية داخل المشهد السنّي، بهذا الثالوث: المجمع الفقهي (كبوابة قانونية) + الحزب الإسلامي (كرافعة سياسية) + العدل والإحسان (كرافعة تنظيمية/دعوية)، جرى إحكام القبضة على مسار الترشيح داخل الوقف، مع هامش تفاوض دائم مع شركاء أقوياء في السلطة.  

وعلى الأرض، لم يكن اختيار رئيس الوقف يومًا قرارًا إداريًا محضًا، إنه خلاصةُ ميزان قوى يتبدّل بين الإسلاميين السنة وحلفائهم داخل الدولة، في تفاعلٍ لا ينفصل عن نفوذ قوى “الإطار التنسيقي” (ومنها حزب الدعوة وعصائب أهل الحق) المقرَّبة من إيران، ويكفي أن نلحظ أن تغييرات 2025 جاءت أصلاً بكتاب من المجمع الفقهي يرفع ثلاثة مرشحين وفق المادة (4/ثانيًا) من القانون، فاستجاب رئيس الوزراء وأعفى الرئيس القائم وعيّن قائمًا بالأعمال لستة أشهر—في مشهدٍ يُظهر كيف أصبح توقيع المجمع هو مفتاح الباب، وأن القرار النهائي سياسيّ لكن بوابة العبور فقهية.  

أمّا سردية “المدخلية” فقد استُخدمت—في محطات عديدة—كمسطرة فرز: كلما اشتد التنافس على المنابر والخطاب، جرى تبويب الخلاف مع “السلفية المدخلية” باعتباره صدامًا عقائديًا يبرّر الإقصاء والإحلال، بينما هو في الجوهر صراع على من يملك المايكروفون والشرعية فوق المنبر. أحداثٌ قريبة في بغداد أعادت إضاءة هذا الملف، وأظهرت كيف تُستثمر صفة “مدخلي” أو تُنفى لإدارة المشهد داخل المساجد عشية استحقاقات سياسية، وكيف تنقلب المنابر ساحات نفوذ لا ساحات وعظٍ فقط.  

وإذا تتبّعنا خط الرؤساء منذ 2003—لا كقائمةٍ جامدة بل كأثرٍ سياسي—سنجد الخيط ذاته: من عدنان الدليمي (2003–2005)، إلى أحمد عبد الغفور السامرائي (2005–2013)، ثم محمود الصميدعي (2013–2015)، فـعبد اللطيف الهميم (2015–2020). بعد ذلك برز سعد كمبش (2020–2022) قبل أن تنتهي تجربته بسلسلة ملفات قضائية توفي على إثرها بعد اعتقاله عام 2023، ثم سلسلة تكليفاتٍ متقلبة: عبد الخالق العزاوي لعدة أشهر في 2022 قبل إنهاء تكليفه بقرارٍ اتحادي وتسلّم عثمان الجحيشي المهام لاحقًا في آب/أغسطس 2022، ثم تسلّم مشعان محي الخزرجي مهامه رسميًا في 8 كانون الأول/ديسمبر 2022 واستمر حتى إعفائه في 18 أيلول/سبتمبر 2025، ليُكلَّف عامر شاكر الجنابي قائمًا بالأعمال لستة أشهر، هذا التسلسل لا يقول فقط من جلس على الكرسي، بل يشي بمن كان يملك مفتاح الباب في كل مرحلة. 

كل ذلك تحت سقف الولاء لايران عبر وكلائها في سدة الحكم وحواشيه، لذلك لم تكن تهم الفساد المتفشي في الوقف حقلا للملاحقة الا عند عدم انتظام مسيرة الولاء .

في الخلفية، ظلّت “العائلة الحركية”—بمعناها الاجتماعي والفكري—البيئة التي تُخرّج الأسماء الأقرب لروح الجماعة ومفرداتها؛ لذا نرى أن غالبية من وصلوا إلى رأس هرم الوقف جاءوا من سياقٍ تربوي/دعوي نهل من مدارس الإخوان أو تقاطع معها تنظيميًا، فيما تُحسَب اختيارات اليوم على تحالفٍ ثلاثي: شرعيةٌ فقهية يصوغها المجمع، وظهيرٌ حزبي يعبِّر عنه الحزب الإسلامي وحلفاؤه السنّة، وذراعٌ دعوي/تنظيمي نشِط تمثّله العدل والإحسان”بوابة الاخوان المسلمين نحو باب السلطة”؛ وكل ذلك داخل مساومات السلطة مع قوى “الإطار” الشيعي التي تمتلك ثِقَل الدولة، وبقدر ما يُقال إن هذه “ملاءة حماية” تمنع انزلاق المنابر إلى التطرف، يُقال أيضًا إنها “قبضة” تُحَوِّل المنبر إلى ورقة تفاوض، وتسمح بتمرير رؤساءٍ متوافقٍ عليهم أكثر منهم متوافقٍ لهم.

ملاحظة في صلب القصة.. منصب رئيس الوقف السني يُباع ويُشترى في المزاد بين السياسيين كغيره من المناصب ، قِس على ذلك .

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com