خبر عاجل عن التينة الحمقاء 

7 سبتمبر 2025
 خبر عاجل عن التينة الحمقاء 

 د. خالد زغريت 

كاتب من سوريا

             ومرّتْ أيام كثيرة لا أتذكّر إلى أيّ رقم بلغ  عدد الأخبار العاجلة التي تنطّ على أشرطة أخبار الفضائيات، وكنتُ أحسُّ أنّ  كلّ خبر عاجل،  إنما هو  تيسٌ أعور أصلع أكشر، قد  أغاظته بقية خضرة في نظراتي  فقفز ليلتهمها.  ولا أدري كيف كنتُ أراه تيساً واحداً، بينما له أكثر من أربعين شبيهاً مما أعرف ولا أعرف. إنما الذي أعرفه، أو لا أعرفه أن أهم سبعة فروق بين رسم التيس ورسوم شبهائه،  أنهم مستورون ببسمة بلاستيكية دائماً ممطوطة مثل ذيل تيس، بلا طعم ولا رائحة، ولا من سبب للتبرع  بها على وجوهم إلا البراعة في أتكيت الاحتيال. لا كما يروّجون أنّ البسمة صدقة، لأنهم لم يتصدقوا في كل حياتهم إلا بالدسائس، و بوس اليد التي يرغمون على بوسها.

      أمّا الفرق الثاني الأكثر أهمية فإنهم يلبسون نظارات سوداء، تموّه عورهم، وعماهم، حتى أنّ أحدهم لم يُظهر الرسم صورة باطنه لنعرف كيف يفكر،  وهو مازال يبحث عن طريقة لصرافة سبع ليرات ليرشي بائع السبحات بنصف ربطة خبز، ليدعو له بالتامات الصالحات.

    أمّا الفرق الثالث الأكثر أهمية مما يهم، فإنّ الزمان الذي صنعناه بأيدينا، أبطل حكمة حبل الكذب قصير. فلم ينقطع مع كاذب نعرفه حتى يرتدع، بل إنّ أحدهم ـ ولأنّ الزمان عاجز عن رسمه ـ بدت على محيّاه  بسمة السخرية  من تلك الحكمة، وهو يعرف أنه منذ أنّ شبّ، وها هو يشيب ولم يَصْدُقْ مرةً واحدة، بل ازداد كذبه مع الأيام شباباً، ولم ينقطع حبله حتى أرغمنا على أن نعدّ كذبه صدقاً. 

     على الرغم من كلّ هذه الأيام التي مرّت، وانمحت فيها من ذاكرتي كلُّ الأخبار العاجلة،  وكلُّ صور التيوس التي جعلتها شدة ألفتها أشبه بمفاتن ملكات جمال، نسيتُ ونسيتُ، لكنني لم أنس تلك التينة الحمقاء التي كان جدي يحكي لي في ظلها عن مكان لا أعرفه إلا في حكاياه ، وطالما قصّ لي حكاية ذلك المكان الذي عشتُ فيه بخيالي أكثر مما عشتُ فيه بعينه، فقد كان ـ بحسب جدي ـ فخماً أشبه بمكتب غير أنّ كلَّ ما فيه يحكي عن ذلك الإنسان الذي ملأه حياةً وهيبةً ووقاراً.

       ودارت الأيام، وغرقنا بالأخبار العاجلة، و رحل صاحب المكان بقوة تقدم العمر، و لا أحد يدري من أين حطت في هذا المكان عجوز شمطاء، و لم ينتب  المعنيون بالعمل في المكان أكثر من الاستغراب الأليف والاستهجان الطبيعي، والاستنكار العابر.

      بقي كل شيء في المكان كما هو الطاولة البنية، الكراسي السوداء، خزانة الكتب الجرداء، الأضابير الدارسة المعالم، والخطوط، وسماعة التليفون الحمراء، لكن المكان أصبح يوحي للجميع بمقبرة، فلا حياة تنادي فيه إلا “لَعلعة” العجوز الشمطاء، وبسمتها البلاستيكية التي حولت الحياة في المكتب إلى بلاستيك بلا طعم و لا رائحة.

       كان خلف أكمة بسمتها ما خلفها، فهي لا تفترّ عن بسمة  إلا لتجعلها فخّاً يصطادك بعد أن يطمئنك، فتكون طعماً يغريك فيدنيك من مصيبة، وكان  جدي يعلّق دائماً : المسكينة لم ترزق بأبناء تربيهم، فهي تعاند المنطق،  وتريد أن تربّي بكيدٍ كلَّ مَن تعرفه، لكنّ الأدهى أنه ما من أحد إلا ويعرف أنها مَدْرَسةُ كيدٍ بذاتها، لكن أحداً ممن يعرف، لم يحركه ضميره على تقويمها، لا تقويم أسنانها القائمة بلا حدود في نهش طيبة ممن لا يمتلكون بسمة بلاستيكية.

            تذكرت ما كان يرويه جدي عن تلك التينة الحمقاء، وتذكرت إصراره على الحديث عنها حتى ظننت أن من الحبّ ما يجعل الإنسان يرى كل الشجر شجر “تين”، وسألته مرة: جدي لماذا لا يوجد في ضيعتكم شجر تين إلا تلك التي أمام بيتك؟ ضحك، وضحكت وهمستُ 🙁 تينُه علّمَ الغزل)، وردّ جدي: ألا ترى أنّ الشائع يقال: حدثَ في مثل هذا اليوم، ولا يقولون حدثَ في مثل هذا المكان؟ تلفّتَ عقلي إلى تلك الفكرة التي تشبه ومضة شعرية أو قصيدة هايكو، وتلفّتَ قلبي إلى تلك الطلول في ذاكرتي، وتذكّرتُ أنّ هناك أربعين مكتباً، لكلّ مكتب أربعون شبيهاً، ولكلّ شبيه تينتُه الحمقاء التي ألِفَها فتحوّل من نقدها إلى التغزّل بها.

        تذكّرت أنّ الحكمةَ كانت صَدَقةً جاريةً، لكنّها بفضلنا صارت سبيلاً للمساكين، وأبناء السبيل لا يسمن ولا يغني من جوع أو عطش . فما من حكمة تعوّض عن ربطة خبز، و المكان بالمكان يذكر، فما زلت أذكر أنّ “ الخال” اشترى لي مرة ربطة خبز، ولم أكن أحمل صرافةَ” سبع عشرة” ليرة ،هي ثمن الربطة و الكيس. وكان “الخال” لا يأكل فائدة، فما زال منذ أن يبست التينة الحمقاء في الخريف الماضي، وتجددت كل يوم في صباحي.. وهو يردد: الإحسان في الصدقة ، ألّا تعرف يسرى الإنسان ما أنفقت يمناه، ثمّ يتابع: “خال” ألم تكن ربطة الخبز التي اشتريتها لك أيام التين أطيب من كل الخبز الذي أكلته؟ فأردّ: كم أنتَ محسنٌ يا “خال”، لقد عرف كلُّ مكان وزمان ما لم تعرفه يسراك عن يمناك، فيتهرّب من الحديث ويسألني: لمَن هذا البيت”خال”ويترنم:

(وَلَو لَم تَكُن في كَفِّهِ غَيرُ نَفسِهِ/ لَجادَ بِها فَليَتَّقِ اللَه سائله  …

     كنا نضحك كثيراً ، ولا سيما في طريق عودتنا من تأليف المنهاج المدرسية في وزارة التربية بدمشق،  كان الخال الأستاذ ” فاروق بوظان ” خبيراً ماهراً في اختصاصه لا يستغنون عنه ،على الرغم من أن التينة الحمقاء لا تكره مخلوقاً قدر كرهها لخبير ماهر في اختصاصه ، لأنها لا تتقبل أن تجد إنساناً يفوقها علماً ، وتلك الميزة أصيلة بقادة مفاصل الوزارة ، وسبباً بإقامتهم فيها ما أقام عسيب.

       يمكنني أنسى اسمى نساه أديسون ، لكنني لا أنسى تلك الليلة التي زاد حلكتها ، حلكة قلوب قادة الحملة العسكرية  على  الثوار في حمص ” تل الشور”، ووجوههم ، و فوهات بنادقهم.

 اتصل بي الخال هاتفياً هامساً بينما صوت الرصاص  يئز في كل مكان ،قال لي: أخرجت الأولاد والبنات وزوجتي ، لقد منعوا خروج الشباب و الكهول ، والآن أنتظر دوري في المداهمة ، كان كأنه يلفظ أنفاسه مع كل كلمة .

 صباحاً اتصلت بي زوجته تبكي، لتقول لي ، رأى أحدهم ، الأمن العسكري و الشبيحة يقودنه مع مجموعة الرجال و الشبان إلى مبنى المؤسسة بـ “بابا عمرو “،  اتصلت بمَن أعرف ، و بعد أيام عرفت أنه أعدم مع أكثر ألف وخمسمئة إنسان ،و..  

  استشهد الخال الأستاذ  وبقيت له في ذمتي صرافة سبع عشرة ليرة ، و عجوزٌ شمطاء ، وثلاثُ تينات حمقاوات ، ومكانٌ لا يحدث فيه إلا صدى  أبيات إيليا أبو ماضي:

 وَتينَةٍ غَضَّةِ الأَفنانِ باسِقَـــــــــــــةٍ    قالَت لِأَترابِها وَالصَّيفُ يَحتَضِـــرُ

كَم ذا أُكَلِّفُ نَفسي فَوقَ طاقَتِهــــــا    وَلَيسَ لي بَل لِغَيري الفَيء وَالثَّمَــرُ

    على ذمة الراوي  فرحت التينة الحمقاء لتخلصها من أستاذ خبير ، وتابعت تأليف المناهج المدرسية.  نسي الجميع إلا أهله وبعض أصدقائه ، الخال الشهيد ، بينما عدّ الجمهور الوفي التينة الحمقاء إحدى المؤثرات في بناء الوطن.  

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com