بقلم: د.محمد كرواوي*
كاتب من المغرب
ليست العلاقة بين المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية وليدة ظرف سياسي عابر، ولا ثمرة مجاملة دبلوماسية مؤقتة، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية تكونت في مجرى الزمن العربي الحديث، واستقرت في وجدان الدولتين قبل أن تدون في سجلات الاتفاقيات الثنائية. وإذا كانت الجغرافيا قد أبقت بينهما مسافة مادية، فإن السياسة والدين والتاريخ قد نسجت بين البلدين خيوطا من القرب تتجاوز مسافة الرمل والبحر. ومع تحولات الإقليم، وتبدل أولويات الأمن والاقتصاد في عالم متغير، لم يعد مقبولا أن تظل العلاقة رهينة المجاملة، بل صار من الضروري أن تعاد هندستها ضمن منظور الشراكة الاستراتيجية المبنية على توازن المصالح ووضوح المشاريع.
لقد كشفت المعطيات الاقتصادية إلى غاية 2025 عن دينامية غير متوازنة في العلاقة التجارية بين البلدين. فبحسب بيانات موثقة، بلغ حجم التبادل التجاري بين الرباط والرياض 26.4 مليار درهم مغربي سنة 2024، أي ما يقارب 2.9 مليار دولار. غير أن هذه الأرقام تخفي خللا بنيويا واضحا: 24.8 مليار درهم تمثل واردات المغرب من السعودية، مقابل 1.15 مليار درهم فقط من الصادرات المغربية إلى السوق السعودية. إننا أمام ميزان يميل بثقله في اتجاه واحد، وهو ما يفرغ التعاون من محتواه التشاركي. ولهذا، فإن الحديث عن صندوق استثماري مشترك لم يعد ترفا سياسيا، بل ضرورة اقتصادية عاجلة، خصوصا أن أكثر من 250 شركة سعودية تنشط في التراب المغربي، في مقابل غياب شبه كلي للمقاولة المغربية في السوق السعودية.
وإذا أردنا لهذا التعاون أن ينتقل من مرحلة الأرقام إلى مستوى النتائج، فإن الرهان ينبغي أن ينصرف إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الواعدة: الطاقات المتجددة، الصناعات الغذائية، الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا الزراعية، وهي كلها مجالات وردت في تقارير استشرافية دولية كمفاتيح مستقبلية لنمو متبادل. كما أن إقرار تسهيلات لوجستية وتجارة حرة بين البلدين من شأنه أن يرفع معدل التبادل بنسبة 5 إلى 10٪ سنويًا كما توقعت أكثر من دراسة. والمطلوب اليوم، ليس فقط تحرير الأرقام، بل تحرير الإرادة الاستثمارية من الحذر البيروقراطي، وتحرير المبادرة من طابعها الموسمي إلى طابع مؤسسي دائم.
وحتى يكتمل هذا البناء الاقتصادي، لا بد أن يدعم بمنظومة مالية مؤسساتية. وقد جاءت مذكرة التفاهم التي وقعت في فبراير 2025 بين وزارتي المالية في البلدين لتكون خطوة مهمة في هذا الاتجاه. إلا أن المذكرة وحدها لا تكفي ما لم ترافقها آليات تنسيق دورية بين البنوك المركزية، وأجهزة الضرائب، والرقابة المالية. إن التنسيق المالي هو العمود الفقري لأي شراكة اقتصادية ذات أفق استراتيجي، لا سيما حين تكون الأطراف قادرة على التعلم من تجاربها السابقة، وتفادي العوائق التي شلت مشاريع عربية كثيرة كانت تبدأ بالخطاب وتنتهي بالصمت.
لكن العلاقات لا تبنى على الاقتصاد وحده، وإن كان هو بوابة النفوذ في عالم اليوم، بل تقاس أيضا بمدى انسجام المواقف السياسية وتكامل الأدوار الاستراتيجية. وهنا تبرز إحدى الركائز الصلبة للعلاقة بين الرباط والرياض: رصيد الثقة المتبادل في القضايا السيادية. فقد جددت السعودية في اجتماع مجلس التعاون الخليجي المغرب المنعقد بمكة في مارس 2025 دعمها الكامل للوحدة الترابية للمغرب في ملف الصحراء، مؤكدة أن أمن المغرب جزء لا يتجزأ من أمن الخليج. في المقابل، لم يتردد المغرب، في كل المنعطفات الإقليمية، في مساندة الموقف السعودي، سواء في ملف اليمن، أو في مواجهة التمدد الإيراني، أو في تعزيز الموقف الخليجي داخل المنتظمات الدولية. هذا التبادل في الدعم لم يعد مجرد مجاملة بين نظامين ملكيين، بل بات ضرورة جيواستراتيجية في منطقة تتآكل فيها التحالفات وتتمزق فيها التحالفات التقليدية.
وعلى المستوى الأمني والعسكري، لا تقل المؤشرات دلالة. فقد شهد العام المنصرم تنسيقا عالي المستوى بين وزارتي الدفاع في البلدين، شمل تبادل الخبرات، والتكوين العسكري، والتعاون في مجالات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، وهو ما يؤشر إلى أن الرياض والرباط تتحركان لتجاوز الخطاب الأمني التقليدي نحو شراكة أمنية أكثر صلابة واحترافا. غير أن هذا التنسيق ما زال محصورا في الدوائر الرسمية العليا، ولم يمتد إلى بناء منظومات تدريب مشتركة أو مصانع تسليح أو وحدات لوجستية موحدة، كما تفعل قوى إقليمية أخرى. والمطلوب أن يترجم هذا التعاون إلى هندسة دفاع مشترك في المجالات السيبرانية، وحماية المنشآت الحيوية، والتصدي للمخاطر العابرة للحدود.
أما في الحقل الثقافي والاجتماعي، فإن الأرقام تنبئ بواقع لا يقل اختلالا عن الميزان التجاري. فرغم العلاقات العريقة، ما زال التعاون الثقافي محدودا في نطاق النخبة والوفود الرسمية. لم تفتح مراكز ثقافية سعودية في الرباط، ولا نظيرات مغربية في الرياض، ولم تفعل برامج التوأمة الجامعية أو التبادل الفني كما ينبغي. في المقابل، أشار أكثر من تقرير دولي إلى أن الجانب الأكثر قابلية للنمو هو البعد الثقافي والشعبي، بدءا من التعاون في السياحة المشتركة، مرورا بمنح دراسية متبادلة، ووصولا إلى الإنتاج المشترك في السينما والإعلام والتراث. فالشراكة الحقيقية لا تكتمل من فوق فقط، بل من تحت أيضا: من قاعات الدراسة، ومن خشبات المسرح، ومن فضاءات التبادل الثقافي المفتوح.
إن العلاقات بين المملكتين اليوم تقف على عتبة مفصلية. فمن جهة، هناك معطيات واقعية تؤشر على تحسن تدريجي في منسوب التنسيق الاقتصادي والسياسي. ومن جهة أخرى، هناك فرص واعدة ما زالت تنتظر الجرأة في التفعيل، لا مجرد النية في التعبير. المطلوب اليوم هو تجاوز الشكل البروتوكولي نحو الجوهر البنيوي، والانطلاق من الرصيد التاريخي نحو استراتيجية مستقبلية. فالعالم العربي لم يعد يحتمل تحالفات مؤقتة ولا شراكات موسمية، بل يحتاج إلى محاور إقليمية قوية، منسجمة، ذات مصالح متشابكة ومصير مشترك. والمغرب والسعودية، إذا أحسنا قراءة هذه المرحلة، قادران على أن يكونا هذا المحور، بشرط أن ينتقلا من أخوية التاريخ إلى تحالف المصالح، ومن بلاغة الخطاب إلى هندسة الفعل.
*كاتب و أكاديمي مغربي
















































عذراً التعليقات مغلقة