د.محمد كرواوي
كاتب من المغرب
لم يكن تصريح ولي العهد السعودي، سمو الأمير محمد بن سلمان، يوم العاشر من شتنبر 2025، مجرد جملة بروتوكولية تضاف إلى أرشيف المواقف الرسمية، بل بدا وكأنه لحظة مفصلية تكشف عن تحول في معادلة الإقليم. فقد أدان بوضوح العدوان الإسرائيلي على قطر، معتبرا إياه انتهاكا صارخا لسيادتها، ثم أردف ما هو أهم: التزام المملكة بوضع كل إمكاناتها في خدمة الدوحة. هنا لم يعد الأمر تضامنا عاطفيا أو لغويا، بل إعلانا سياسيا ذا أبعاد استراتيجية، يعيد ترتيب أوراق الخليج ويشعر العواصم الكبرى أن الرياض لم تعد تحتمل كلفة صمت عربي على العدوان.
في لغة السياسة، هذه الكلمات تحمل دلالات عميقة. فولي العهد يتحدث من موقع من يعرف وزن بلاده، ويدرك أن قوله “كل إمكانات المملكة” يعني ما هو أكثر من الدعم الدبلوماسي. هو يفتح الباب أمام تعاون أمني وسياسي واقتصادي، ويضع قطر في قلب منظومة الحماية السعودية. هذا التوجه يعكس إدراكا بأن العدوان على الدوحة ليس شأنا قطريا خالصا، وإنما رسالة إسرائيلية موجهة إلى الإقليم برمته: اختبار للقدرة على الردع، ولإرادة العواصم العربية على مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع.
ولعل اللافت أن هذه التصريحات جاءت في لحظة تتقاطع فيها الأزمات: الحرب المستمرة في غزة منذ أكتوبر 2023، التوتر المتصاعد في شمال إسرائيل مع حزب الله، والانسداد السياسي في النظام الدولي. في خضم هذه العاصفة، بدا صوت ولي العهد وكأنه إعلان بأن الرياض لا تقبل أن تستفز عاصمة عربية صغيرة دون رد، ولا أن تمر انتهاكات السيادة مرور الكرام. هذه ليست فقط قضية تضامن خليجي، وإنما أيضا مسألة كرامة عربية وشرعية دولية، يصر الأمير محمد بن سلمان على استعادتها إلى جدول الأعمال.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا الموقف باعتباره استمرارا لخط استراتيجي رسمه ولي العهد في السنوات الأخيرة: الانتقال من الدفاع إلى المبادرة، ومن التفرج على مسارح الصراع إلى المشاركة في صياغتها. هنا لا يتحدث الرجل بلغة شعارات، بل بلغة فعل، يوازن بين الواقعية السياسية والتطلع إلى مكانة إقليمية أوسع. ومع أن العبارة بسيطة: “كل إمكانات المملكة”، إلا أنها تختزن وعدا سياسيا كبيرا يضع المسؤولية على عاتق الجميع، ويستدعي تحركات عربية وإسلامية عاجلة لمواكبة هذه اللحظة.
إذا كانت التصريحات الصادرة عن ولي العهد السعودي تمثل الموقف المباشر إزاء العدوان على قطر، فإن أثرها الأوسع يتجلى في إعادة صياغة معادلة التوازنات الإقليمية. فمنذ سنوات، بدا أن الخلافات بين بعض العواصم الخليجية قد أضعفت قدرة مجلس التعاون على أن يكون كتلة صلبة في مواجهة التحديات. غير أن الموقف السعودي الأخير يفتح الباب أمام عودة التضامن الخليجي إلى واجهة الفعل السياسي، لكن هذه المرة برؤية استراتيجية يقودها الأمير محمد بن سلمان، حيث تتداخل مفاهيم الحماية المشتركة بالكرامة الوطنية، ويعاد الاعتبار إلى فكرة أن أمن الخليج كل لا يتجزأ.
في هذا السياق، يظهر أن الرياض لم تكتف بمجرد إدانة العدوان، بل صاغت موقفا يتجاوز الحاضر إلى المستقبل. فحين يؤكد ولي العهد أن المملكة تضع “كل إمكاناتها” في خدمة قطر، فإنه يوجه رسائل متعددة: إلى الداخل القطري بأن الدوحة ليست وحيدة؛ إلى الداخل السعودي بأن القيادة تتحرك في إطار مسؤولية تاريخية؛ وإلى الخارج، وتحديدا القوى الدولية، بأن الخليج ليس ساحة مفتوحة للمغامرات الإسرائيلية أو غيرها. هذا الخطاب يتجاوز لغة الدفاع ليصبح إعلانا عن استعداد لتغيير قواعد اللعبة، وإعادة الاعتبار إلى مركزية القرار العربي.
ولعل أحد أبعاد هذه اللحظة يتمثل في الربط بين العدوان على قطر وبين الحرب في غزة. فولي العهد لم يغفل عن الإشارة إلى أن ما يحدث في غزة يمثل جرحا نازفا في الضمير العربي والإسلامي. حين تتقاطع القضيتان، انتهاك السيادة في الدوحة، والدم النازف في غزة، فإن الرسالة السعودية تبدو أوسع: أي عدوان على دولة عربية، صغيرة كانت أم كبيرة، هو في جوهره عدوان على النظام العربي كله. ومن هنا فإن التوقير الذي حظي به الموقف يعكس إدراكا أن القيادة السعودية تسعى إلى إعادة بناء مظلة سياسية وأخلاقية للعرب، في زمن تراجعت فيه أصواتهم على الساحة الدولية.
إن ما يجعل هذه اللحظة ذات مغزى خاص هو أن الأمير محمد بن سلمان يتحدث من موقع صاعد على المستويين الإقليمي والدولي. فهو لا يكتفي بلغة المزايدات، بل يترجم موقفا واقعيا إلى التزام استراتيجي، واضعا أمام العالم معادلة جديدة: لا يمكن المساس بأي دولة عربية من دون أن يتحرك ثقل المملكة. هنا يبدو أن السعودية تعيد تعريف دورها القيادي، ليس فقط كقوة إقليمية كبرى، بل كحارس لسيادة المنطقة وصوت لمظلومية غزة وقطر معا. ومن هذا المنطلق، فإن المستقبل سيكشف إلى أي مدى ستترجم هذه العبارات إلى أفعال، لكن المؤكد أن الموقف قد دشن مرحلة جديدة في السياسة العربية، عنوانها أن الرياض عادت لتقول كلمتها، بصوت واضح وحاسم.

















































عذراً التعليقات مغلقة