رحّال كريش

كاتب من المغرب
الثِقْلُ الأخيرُ
أمام الضابط يقف أحمد الصغير، شاب نحيل، ترتخي كتفاه قليلًا من التعب، ووجهه محاط بشعر خشن، عيناه متعبتان ويكاد ينظر من بين حاجبيه الكثيفين. يرتدي قميصًا قديمًا مرقعًا، وسروالًا ضيقًا، حافي القدمين. وعلى رأسه كتلة شعر لم يُمشط منذ أيام، تضيف لمظهره شيء من الغموض والانتباه.
بدأ الضابط الحديث:
– أحمد الصغير، في الخامس من أغسطس الجاري، أثناء تفقدك بوابة الجسر الشرقي، تم ضبطك وأنت تحمل حبل الأمان الخاص بالجسر وأنت تحاول تعديله. هل هذا صحيح؟
رفع فارس رأسه ببطء، وابتسم ابتسامة عابسة:
– صحيح، يا حضرة الضابط.
– لماذا كنت تعدّل الحبل؟
– الحبل؟ يا سيدي، نحن نحتاجه لتثبيت القوارب الصغيرة، بدون تثبيت، القارب يطفو بعيدًا، ويضيع الصيد.
– ومن «نحن»؟
– نحن أهالي القرية، صيد السمك مهم لنا، والبحر لا يرحم من لا يعرف كيف يثبت قواربه.
– اسمع، لا تتظاهر بالجهل. كل تعديلك كان على جسر يستخدمه المارة، وأي خطأ يمكن أن يسبب سقوط الناس.
ضحك فارس ضحكة قصيرة، ثم قال:
– نحن لا نريد أن نسقط أحدًا، يا حضرة الضابط، فقط نثبت القوارب. هل يمكن صيد الأسماك بدون تثبيت القارب؟ لو ألقينا الطُعم على سطح الماء بدون ثقل أو تثبيت، ماذا نصطاد؟ القروش الصغيرة أم السمك الكبير؟
– لكنك تعلم أن التلاعب بالحبال قد يؤدي لانزلاق الناس من فوق الجسر!
– انزلاق؟ يا حضرة الضابط، لو كان ذلك ممكنًا، لما لبسنا أحذيتنا على الأرض الموحلة؟ نحن نعرف الطريق، والناس الحذرون يسيرون بحذر.
– إذن أنت تعترف بأنك فككت الحبل لتصنع شيء آخر؟
– بالضبط. لن أترك الطُعم يطفو! كل شيء يجب أن يثبت، وإلا لن نأكل شيئًا.
– ولماذا لم تستخدم أي شيء آخر؟ حديد أو حجر؟
– الحبل قديم، قوي، وبها العقد المناسبة. الحجر ثقيل جدًا، والحديد ليس متاحًا هنا.
سكت الضابط قليلًا، ثم قال:
– أنت تعرف أن أي تعديل على الجسر يعرض حياة الناس للخطر، أليس كذلك؟
– نعم، أدرى، لكننا نعرف حدودنا. نحن أهالي البحر، ونحترم السلامة، لكننا أيضًا نعرف كيف نعيش.
وقف فارس يتململ، يحدق في الطاولة، ويبتسم بابتسامة طفولية، ثم قال:
– لو حكمتم عليّ بالجلد، سأتحمل، لكن بدون قصد، نحن نحمي قوتنا، والحياة تستمر.
أومأ الضابط، وهو يدون ملاحظاته، ثم قال:
– حسنًا، ستذهب تحت الحراسة مؤقتًا.
رفع الصغير حاجبيه الكثيفين، وقال ببرود:
– مؤقتًا؟ يا حضرة الضابط، يجب أن أعود للسوق، هناك طُعم ينتظرنا. ثلاث صيديات لم أستلمها بعد.
– اسكت، إلى الحراسة الآن!
خرج من الغرفة، يمشي بين اثنين من الجنود، ويهمس:
– نحن أهالي البحر، نعرف حدودنا، ولم نؤذي أحدًا… أليس هذا العدل؟
خاص لصحيفة قريش -ملحق ثقافات واداب -لندن















































عذراً التعليقات مغلقة