د. خالد زغريت
يُحكى أنّ “الرميكية”، وهي زوجة المعتمد بن عبّاد أحد ملوك الأندلس وشعرائها، كانت تغالي في دلالها لما رأت من حب زوجها لها وتفانيه في إرضائها. وكانت يوماً في موكب ملكي فخم مهيب، فرأت في أحد الأرياف مجموعة من القرويين يعجنون بأقدامهم الطين، ليصنعوا منه اللبن الذي يشيدون به المنازل، فاشتهت نفسها أن تنزل إلى وسطهم وتشاركهم عجن الطين كاشفة عن ساقيها الملكيين، فأبدتْ رغبتها هذه للمعتمد، فتحرّج كثيراً من طلبها، فلا يليق بالملكة أن تعجن الطين مثل الفلاحين، فجاهد بكل الوسائل أن تتريث، وهو سيحقق لها رغبته من غير أن تحرجه أمام العامة.
وعدها أن يصنع لها طيناً يليق بقدميها الملكيين، فأمر بسحق المواد التي يصنع منها الطيب.
وأكثر في ذلك حتى ملأ به ساحة القصر، ثمّ صبّ عليه ماء الورد وأراق كميات هائلة من العطور.
وأمر الجواري بعجن ذلك بأيديهن حتى أصبح كالطين. ثم دعا زوجته الرميكية لتخوض به كما تشتهي، فأخذت تلهو، وتلعب في هذا المزيج العجيب مع جواريها، فتحقق لها ما اشتهت نفسها.
ولأن لأيام الملوك دواليب تدور، درات أيام المعتمد، ففلّ سلطانه، وسجن، وجار عليه الزمن، ولم تحتمل الرميكية الوضع الجديد، وأغضبها ضيق ما آلَ إليه حال المعتمد، وفي زيارة له في السجن، أبدت شرر غضبها، وأقسمت بالله أنها لم ترَ منه في يوم خيراً قط. فقال لها معاتباً: ولا يوم الطين؟! فاستحيت واعتذرت.. فأنشد:
ولا يوم طينٍ يا رميكية الهوى وقد كان طيني طينة الفخرِ والجودِ
وصار قوله (ولا يوم طين) مثلاً دار على الألسن والأزمان غير أن المعتمد ما عدم في الرميكية الوفاء ولو بحيائها مما ذكّرها به، وربما هوّن عليه عدم نكرانها الجميل، كثيراً من إحساسه بالقهر.
ولأنّ الحكي ليس دائماَ تبذيراً للكلام، والوهم، والحلم والألم، ففيه ما يثير الروح في المكان والزمان، فإننا نحبّ الحكي…
وما حبس الأطفال والنساء والشيوخ أنفسهم أمام “مسلسل باب الحارة لسنين إلا حبّاً للحكي..
لكن أيّ حكي، حكي الزمن الجميل ليس لأنه ماض، وليس لأنهم مرضى بالحنين إليه، بل لأنهم يعيشون انتماء حياً لزمن القيم الجميلة. لزمن تحليق الروح في رحبها الحرّ، ولم يكن زمناً جميلاً لأنه ماض ،بل هو جميل لأنهم صنعوا جماله .
ولم يكن باب الحارة سجناً وانغلاقاً..
بل كان تحصيناً لعبق الروح والقيم التي جعلوها تسود حياتهم..
لأنهم صنعوا ياسمينهم وعطر قيمهم لتحرس أرواحهم وإنسانيتهم، صنعوا عالمهم الحيوي الذي يتيح لأرواحهم التحليق في مجالها الحيوي، وأزمتنا الحقيقية في هذا الزمن ليس قارورة الغاز ولا شح الراتب ولا فساد مسؤول، ولا كيد مدع… بل أزمتنا جفاف الروح في ذواتنا وانغلاقنا على هواجسها ورغباتها الضيقة على ما في فقدان الحاجات من أهمية …. مشكلتنا أننا نفتقد جبلة روحنا في علاقتنا… وأزمتنا أننا غرقنا في نرجس ذواتنا فأعمينا أنفسنا عن جمال الياسمين خارجها ورحب الحياة خارج أسوارها…

















































عذراً التعليقات مغلقة