كازاخستان.. في طور التفوق الاقتصادي على روسيا والصين 

1 سبتمبر 2025
كازاخستان.. في طور التفوق الاقتصادي على روسيا والصين 


كازاخستان في سنوات قليلة ستصبح دولة غنية باقتصاد ينمو بسرعة تفوق الغرب
 
 
بقلم عبد العزيز حيون

كاتب وصحفي من المغرب

تشهد كازاخستان في عام 2025 صعودا اقتصاديا لافتا جعلها تتصدر مشهد دول آسيا الوسطى، بل وتتجاوز في كثير من المؤشرات الاقتصادية دولتين عملاقتين ،مثل روسيا والصين.
وتتوفق كازاخستان بشكل ظاهر على روسيا والصين والعشرات من الدول في آسيا ،وهو ما يؤشر عليه نصيب الفرد من الناتج المحلي للبلاد ، التي استقلت في دجنبر من سنة 1991 وارتبط اسمها بشكل وثيق بروسيا الوارث الأساسي للاتحاد السوفييتي .
وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في كازاخستان حوالي 14.770 دولارا، وهو رقم يفوق نظيره في روسيا ( 14.260 دولارا) والصين (13.690 دولارا). 
هذا الإنجاز يعكس سرعة التحولات الاقتصادية في كازاخستان القوة الاقتصادية الصاعدة بهدوء تام ، ويعكس قدرتها على استغلال مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي المتميز بين روسيا والصين من جهة ،وبين دول آسيا الوسطى والعمق الأسيوي لتعزيز مكانتها العالمية أو الإقليمية في زمن يشهد صعود شأن دول بعينها من القارة الصفراء ،مقابل تراجع المؤشرات المالية والاقتصادية لدول كثيرة في أوروبا ،من ضمنها بريطانيا وفرنسا وألمانيا .
استثمارات ضخمة في كازاخستان وبنيات تحتية جديدة


يعتمد الاقتصاد الكازاخي بشكل أساسي على إنتاج النفط والغاز وتصدير المواد الطاقية والفلاحية ، لكنه لم يعد يقتصر عليهما فقط،كما كان في السابق بعد الحصول على الاستقلال بالخصوص . فقد أعلنت الحكومة عن خطة استثمارية ضخمة ،غير مسبوقة في تاريخ البلاد ولا تضاهيها معطيات مماثلة في المحيط الإقليمي ، تشمل أكثر من 45 مشروعا صناعيا، بقيمة إجمالية تتجاوز 4.4 مليار دولار في الحد الأدنى . 
هذه المشاريع من المتوقع أن توفّر ما يقارب 20 ألف فرصة عمل على أقل تقدير ، ما يعزز النمو الداخلي ويحدّ من البطالة بشكل كبير ،خاصة في صفوف الشباب ،كما سيساهم هذا التحول المميز في جلب كفاءات من خارج البلاد خاصة من الجالية الكازاخية المقيمة في روسيا وفي بلدان أوروبية أخرى سبق وأن هاجرت ،قبل سنوات ، للبحث عن أفق أحسن .
نمو مثير في قطاعات متعددة واعدة 
لم يقتصر الازدهار والتطور الملموس على قطاع الطاقة فحسب، بل امتد إلى قطاعات حيوية أخرى:
قطاع النقل واللوجستيك: شهد  نموًا بنسبة 22 ٪ خلال العام.
قطاع البناء والتشييد : حقق زيادة بلغت 5.2٪.
قطاع الزراعة والتجارة: سجل توسعا ملحوظا أسهم في تنويع مصادر الدخل القومي.
ورغم هذا التطور النوعي الذي تشهده كازاخستان اعتمادا على مخططات استشرافية وتصور منطقي يستحضر الامكانات والمؤهلات الداخلية ويضع في الحسبان أيضا التنمية الإقليمية والتطورات الاقتصادية العالمية ،فإن البلد الآسيوي يواجه تحديات يستوجب تخطيها باستراتيجيات خلاقة . 
إذ رغم هذا الزخم الاقتصادي، يُحذّر صندوق النقد الدولي من بعض المخاطر التي قد تواجه كازاخستان، وعلى رأسها:تقلب أسعار المواد الخام، باعتبار الاقتصاد لا يزال مرتبطًا بالموارد الطبيعية في مجمله ،إضافة الى التباطؤ الاقتصادي العالمي، والذي قد ينعكس على حجم الاستثمارات والتجارة الخارجية.
ومع ذلك ،يعتبر الكثير من الخبراء في مجال الاقتصاد أن تحذير صندوق النقد الدولي يقوم على مؤشرات نظرية وليس على معطيات واقعية ، ويتناسى أن الموقع الاستراتيجي الذي تنعم به كازاخستان وكذا تميزها في ضمان الأمن الغذائي يعزز موقعها الاقتصادي و”نفوذها” المالي ،وهي التي تلقى الدعم الكامل من روسيا كما من الصين ،وهما الراغبين في قلب الموازين الاقتصادية العالمية ودعم المبادلات التجارية والتعاملات المالية بين الدول التي لها التوجه ذاته الذي تتبناه ،وبالتالي سحب البساط من الدول الغربية ، خاصة بعد اعتماد الولايات المتحدة  رسوما تعجيزية وجهت لها الانتقاد من طرف غالبية دول العالم .
إلى جانب أرقام ومؤشرات النمو، تستفيد كازاخستان من موقعها الجغرافي المميز بين أوروبا وآسيا، ما يجعلها محطة رئيسية في طرق التجارة الدولية… و هذا العامل يعزز من قدرتها على لعب دور محوري في الاقتصادين الآسيوي والعالمي خلال السنوات القليلة القادمة.
في الآونة الأخيرة ، نفذت روسيا وكازاخستان أكثر من 90 مشروعا بقيمة 18 مليار دولار شملت مختلف المجالات الاقتصادية الحيوية ،ما يعني أن البلدين يعملان وفق توجه مشترك ولهما التطلع نفسه لبسط حضورهما في الاقتصاد العالمي بعيدا عن تأثير الغرب ،الذي يفرض عقوبات بالعشرات على روسيا من أجل إضعافها إلا أن ذلك كان له الوقع الضعيف .
ومن أبرز هذه المشاريع، مشروع بناء ثلاث محطات للطاقة الحرارية في كازاخستان، وتحديث محطة الكهرباء “إيكيباستوز” الواقعة في شمال شرق البلاد، فضلا عن مبادرات لمد الغاز إلى عدد من المناطق في كازاخستان، والعمل على زيادة حجم عبور (ترانزيت) موارد الطاقة الروسية الى الصين بالخصوص ومنغوليا وكوريا الشمالية ودول أخرى حليفة.
وأكدت روسيا وكازاخستان ما مرة أنهما تعملان على توفير المناخ المناسب لقطاعي أعمال البلدين لممارسة الأعمال التجارية وأن حجم الاستثمارات المتبادلة في تزايد مستمر، ففي عام 2023 ،على سبيل المثال ، استثمرت الشركات الروسية أكثر من 3 مليارات دولار في كازاخستان، في حين استثمرت كازاخستان نفس المبلغ في الاقتصاد الروسي. 
وتعد روسيا أكبر شريك تجاري لكازاخستان، مع  ارتفاع حصة التعاملات بالعملات الوطنية بين البلدين ،ما يحميهما من التأثير السلبي للظروف الخارجية ،خاصة بعد تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة ،والخلاف القائم بين روسيا والاتحاد الأوروبي .
وليس سرا أن روسيا وكازاخستان قررا  منذ سنوات أن تحميا تجارتهما من خلال التحول إلى التسويات البينية بالعملات الوطنية،وتستخدم موسكو وأستانا ،بشكل متزايد ، عملتيهما الوطنيتين في التسويات المتبادلة، وبفضل هذا أصبحت التجارة الثنائية “مستقلة عن التأثير الخارجي” ،كما أن هيكل التجارة المتبادلة يتنوع باستمرار، وتحتل المواد غير الخام ذات القيمة المضافة العالية مكانا متزايد الأهمية فيه.
وفي نونبر من سنة 2024 ،وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الكازاخستاني قاسم جومارت توكايف اتفاقية ثنائية حول “تعميق الشراكة الاستراتيجية في ظل النظام العالمي الجديد”،وفي هذا الإطار وجهت دعوة إلى كازاخستان للحصول على صفة دولة شريكة في مجموعة “بريكس” .
ويستخلص من كل هذه المعطيات أن السنوات القادمة ستشهد ظهور دولة ذات اقتصاد قوي سيكون له وقع كبير ليس على اقتصاد المنطقة بل وأيضا على اقتصاد العالم ،مع الأخذ بعين الاعتبار توجه روسيا والصين ،الداعمتين لكازاخستان ، الى الحد من تأثير واشنطن على اقتصاد الكون ومحاولة هيمنتها على العالم بطرق تلقى اعتراض غالبية الدول ،حتى من الدول الحليفة لواشنطن. 

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com