قوة ناعمة ورافعة للتنمية الشاملة

5 سبتمبر 2025
 قوة ناعمة ورافعة للتنمية الشاملة

الرياضة في المغرب:

 قوة ناعمة ورافعة للتنمية الشاملة

ولي العهد المغربي يعطي انطلاقة المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط 

نجلاء مرون

باحثة من المغرب في القانون العام

أشرف الخميس  4 أيلول / سبتمبر 2025، ولي العهد الأمير المغربي مولاي الحسن، على افتتاح المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط ، بعد أشغال إعادة تشييده، والتي مكنت من ملاءمة هذه البنية التحتية الرياضية الرفيعة، مع معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) 2030.

وتتميز هذه المعلمة  بجودة  معمارية ، من آخر طراز في الحداثة ، والاستدامة وقدراتها الترابطية، من قبل كفاءات مغربية، وفقا لأفضل المعايير الدولية في هذا المجال.

 ان افتتاح هذا المركب لم يكن مجرد حدث رياضي عابر، بل محطة تحمل أبعادا رمزية وسياسية وتنموية عميقة، فهذا التدشين يعكس رؤية ملكية واضحة عبر عنها العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابات عديدة، حيث شدد على أن الرياضة ليست ترفا، بل حق من حقوق المواطنين وأداة لترسيخ قيم الانضباط والانتماء ورافعة للتنمية، وكما قال الملك في خطاب عيد العرش لسنة 2023: ” الرياضة ليست نشاطا ثانويا، بل هي مدرسة للمواطنة ووسيلة لفتح الآفاق أمام شبابنا،” إن إعادة تأهيل هذا الصرح الرياضي، في سياق استعداد المغرب لاحتضان كأس إفريقيا للأمم 2025 ومونديال 2030، يمثل إعلانا عمليا عن جاهزية المغرب  لتكون في مصاف الدول القادرة على تنظيم كبرى التظاهرات الدولية وفق أعلى المعايير. 

المركب الجديد ليس استثمارا في البنية التحتية فقط، بل هو استثمار في المستقبل، فقد تجاوزت الاستثمارات الموجهة لتأهيل المنشآت الرياضية 8 مليارات درهم خلال العقد الأخير، مع مساهمة الرياضة بما يقارب 0.7% من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة مرشحة للارتفاع بفعل الدينامية التي ستواكب هذه الأحداث الكبرى، فهذه المشاريع تفتح آفاقا اقتصادية واسعة عبر تحفيز السياحة الرياضية وتنشيط قطاع الخدمات وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

ويأتي هذا الإنجاز في إطار سياسة شاملة لتطوير البنيات التحتية الرياضية في مختلف جهات المملكة حيث تم تشييد ملاعب جديدة في طنجة وأكادير والدار البيضاء، إلى جانب تحديث ملاعب مراكش وفاس كما تشمل هذه المشاريع محطات قطار، طرق سيارة، وفنادق عصرية موجهة لاستقبال الجماهير، ما يعكس مقاربة متكاملة تجعل من الرياضة رافعة لتحديث البنية التحتية الوطنية ككل. 

هذه الاستثمارات ليست معزولة، بل تتناغم مع مشاريع كبرى في النقل والاتصال، مثل توسيع شبكة القطار فائق السرعة وتطوير المطارات، ما يضع المغرب ضمن قائمة الدول القادرة على ضمان تنظيم سلس وآمن للأحداث الرياضية الكبرى.

وإذا قارنا هذه الدينامية بما يجري في باقي القارة، نجد أن المغرب يتفوق عدديا ونوعيا على العديد من الدول الإفريقية، ففي حين تعتمد بلدان مثل الكاميرون أو نيجيريا على ملاعب لا يتجاوز عددها خمسة أو ستة بمواصفات دولية، أصبح لدى المغرب أكثر من عشرة ملاعب كبرى مطابقة لمعايير الفيفا، إلى جانب عشرات الملاعب الجهوية ومراكز التكوين الحديثة، وقد أشار تقرير الفيفا لسنة 2023 حول البنيات التحتية الإفريقية إلى أن المغرب يتصدر القارة في حجم الاستثمارات الموجهة للقطاع الرياضي خلال العقد الأخير، متفوقا على جنوب إفريقيا ومصر.

كما أكد البنك الدولي في تقريره حول “الاقتصاد الرياضي والتنمية المستدامة” (2022) أن المغرب يمثل نموذجا صاعدا في ربط الرياضة بالتحول الاقتصادي والاجتماعي، مستفيدا من موقعه الجغرافي واندماجه في سلاسل القيمة السياحية والخدماتية. هذه المقارنات تبرز أن المملكة لم تعد مجرد بلد منظمبل أصبحت مرجعا إفريقيا في جعل الرياضة جزءا من استراتيجيتها التنموية.

غير أن الأهمية الأعمق للرياضة في المغرب تكمن في بعدها الاجتماعي والثقافي، فالشباب الذين يشكلون أكثر من نصف الساكنة، يجدون في الرياضة وسيلة للتربية على المواطنة وبناء الثقة بالذات، كما أن صعود الرياضة النسوية، خاصة بعد المشاركة التاريخية للمنتخب المغربي النسوي في كأس العالم 2023، يعكس تحولات مجتمعية ترسخ قيم المساواة والمناصفة،بهذا المعنى تصبح الرياضة أداة لإعادة إنتاج التماسك الاجتماعي ومجالا لإبراز الوجه الحداثي للمغرب.

أما على المستوى الدبلوماسي، فإن تدشين مركب مولاي عبد الله يدخل في سياق استراتيجية أوسع تجعل من الرياضة أداة للدبلوماسية الحضارية، فالمغرب الذي يستضيف أندية ومنتخبات إفريقية بشكل دوري ويشارك بفعالية في المحافل الدولية، يوظف الرياضة كوسيلة لتقوية الروابط مع إفريقيا جنوب الصحراءوتوسيع الجسور مع أوروبا والعالم العربي، وتأكيد مكانته كجسر حضاري يربط بين القارات، وقد جاء اختيار المغرب شريكا في تنظيم مونديال 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال ليؤكد هذه المكانة، وليعكس اعترافا دوليا بقدراته التنظيمية ورؤيته الاستراتيجية.

افتتاح المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله إذن لا ينفصل عن المشروع التنموي الشامل الذي يقوده الملك محمد السادس، حيث تتقاطع الرياضة مع أهداف التنمية المستدامة عبر مراعاة البعد البيئي في الملاعب الصديقة للبيئة، والبعد الترابي من خلال توزيع المنشآت الرياضية على مختلف الجهات، والبعد الرقمي عبر رقمنةالخدمات والتسويق الرياضي، ومن ثم فإن الرياضة في المغرب ليست قطاعا ثانويا

بل سياسة عمومية استراتيجية تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية، وتجسد رؤية حضارية تجعل من الرياضة قوة ناعمة ورافعة للتنمية، ورسالة واضحة بأن المغرب يدخل مرحلة جديدة من إشعاعه الإقليمي والدولي.

المقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com