نجلاء مرون
باحثة من المغرب في القانون العام
انعقاد القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة يوم 15 أيلول / سبتمبر 2025 شكل حدثًا استثنائيا في توقيته ورمزيته، إذ جاء على وقع ضربة عسكرية إسرائيلية غير مسبوقة استهدفت العاصمة القطرية في تحد صارخ للسيادة الوطنية ولمكانة قطر كوسيط في جهود وقف الحرب على غزة.
كما شكلت القمة فرصة تاريخية لاختبار قدرة النظام العربي والإسلامي على التحرك الجماعي وإطلاق مشروع دفاعي مشترك طالما حلمت به الشعوب وسمي في الأدبيات السياسية والإعلامية “الناتو العربي-الإسلامي”، غير أن البيان الختامي كشف أن هذا الحلم لا يزال بعيد المنال، وربما يتبخر مع مرور الوقت ما لم تتخذ خطوات عملية جادة.
منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 ظل مشروع الدفاع المشترك حبيس النصوص، فشلت محاولات عديدة مثل حلف بغداد في الخمسينيات والقيادة العربية المشتركة التي أقرتها قمة القاهرة عام 1964 ولم تفعل قبل نكسة 1967، كما بقيت معاهدة الدفاع العربي المشترك (1950) حبرًا على ورق حتى في لحظات مصيرية كالعدوان الثلاثي على مصر والغزو الإسرائيلي للبنان، وبعد حرب الخليج 1991 عجز النظام العربي عن صياغة منظومة أمن جماعي مستقلة، وانتهى الأمر بالاعتماد على قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، أما التحالف العربي في اليمن خلال العقد الأخير فتحول إلى عنوان جديد للخلافات بين العواصم العربية أكثر منه نموذجا لوحدة القرار العسكري، هكذا يصبح تعثر قمة الدوحة استمرارا لمسار تاريخي طويل من العجز عن الانتقال من الشعارات إلى بناء مؤسسات ردع فاعلة.
البيان الختامي للقمة أدان العدوان على قطر واعتبره اعتداء على جميع الدول العربية والإسلامية، ودعا إلى مراجعة العلاقات مع إسرائيل ووقف العدوان على غزة ودعم جهود الوساطة، لكنه اكتفى بصياغات فضفاضة مثل « تفعيل آليات الدفاع المشترك » من دون تحديد آليات تنفيذ أو جدول زمني أو خطوات عقابية واضحة، تاركا القرار لكل دولة على حدة.
صحيفة فاينانشال تايمز اعتبرت أن القمة عبرت عن غضب سياسي أكثر مما أطلقت مسارًا عمليا، فيما رأت الجزيرة أن تعهد تفعيل الدفاع المشترك يبقى وعدا نظريا في غياب قيادة واضحة وتمويل مشترك أما رويترز فأشارت إلى أن الدعوة لمراجعة العلاقات مع إسرائيل بقيت بلا عقوبات محددة بسبب المصالح الاقتصادية والأمنية القائمة مع تل أبيب.
الإعلام الإسرائيلي بدوره لم يتعامل مع القمة بجدية، إذ وصفت قنوات مثل i24 وكتاب في ” يديعوت أحرونوت” الدعوة لمراجعة العلاقات بأنها « فقاعة إعلامية » سرعان ما ستتلاشى أمام الواقع الاقتصادي والأمني، هذا الخطاب الساخر كشف أن تل أبيب تدرك محدودية رد الفعل العربي، وتعتبر القمم مجرد محطات لامتصاص الغضب الشعبي لا أدوات لصنع قرارات استراتيجية حقيقية.
مفكرون مثل المهدي المنجرة، ومحمد عابد الجابري وعبد الله النفيسي، سبق وأن أكدوا ان النظم الرسمية العربية تعاني أزمة إرادة سياسية لا أزمة موارد أو قدرات، فالمشكلة ليست في نقص الجيوش أو الإمكانيات المالية، بل في غياب قرار استراتيجي مستقل يضع المصلحة الجماعية فوق الحسابات القطرية والخوف من الضغوط الدولية، هذه الأنظمة قادرة على قمع المعارضة الداخلية وسن القوانين الاستثنائية بسرعة قياسية، لكنها تتباطأ حين يتعلق الأمر بحماية السيادة أو بناء منظومة ردع جماعي، ولذلك تبدو مخرجات القمم رسائل تهدئة أكثر منها خطط عمل، ما يكرس فقدان الثقة الشعبية ويعمق الفجوة بين الشعوب وحكامها.
التحالفات ليست شعارات بل اختبارات حقيقية للإرادة السياسية، ولا تصمد إلا حين تتوفر قيادة واضحة ورؤية مشتركة، وإذا كانت قمة الدوحة قد اكتفت بالتنديد دون تحديد خطوات تنفيذية، فهذا يعني أن “الناتو العربي-الإسلامي” فشل في اجتياز أول اختبار له، ما يجعله أقرب إلى تحالف فضفاض وهش.
هكذا كرست القمة المعادلة المعهودة: بيانات قوية بلا أثر عملي، ما لم يتخذ قرار سياسي شجاع ببناء منظومة دفاع جماعي حقيقية، سيبقى الأمن القومي العربي رهينة الحسابات الضيقة، ويظل حلم “الناتو العربي” مجرد شعار يطفو مع كل أزمة ثم يتبخر، بينما تدفع الشعوب وحدها ثمن الغياب الاستراتيجي.
المقال خاص لصحيفة قريش – لندن
















































عذراً التعليقات مغلقة