شاعر يملك برثائه الممالك الزائلة 

27 سبتمبر 2025
شاعر يملك برثائه الممالك الزائلة 

د. خالد زغريت

إلى الشاعر : إبراهيم الجرادي

      هي معرفة ما كانت أم لم تكن لكنها صارت على وجه ما،وكانت معرفتي الأولى بإبراهيم الجرادي شاعراً من خلال خبرٍ، تقطر أحرفه أنيناً كيدياً:( إبراهيم الجرادي يجمعُ  أجزاءَه المبعثرةَ في ديوان . 

    هكذا أظنُه  الخبرَ الذي فاتَ عليه عشرون عاماً أو هزيمةً و يزيد،وقد ذيّلَ الخبرُ ببضعِ جملٍ  شعريةٍ للشاعرِ، مكتومة الجرح  تمجّدُ خرابَ الزمرِ التربويةِ في دمِه، وبالمصادفةِ  أيضاً قرأت له ربورتاجاً شعرياً يكرّمُ  صعلكةََ الفوضى، ويستفز جليد الدم في شهامتنا حتى تراءت انتصاراتنا علكة واحدة في فم مئة مليون جامعية ومطربة ..فألقى عليَّ نشوةَ المهزومين وهم يرفعون أبطالَهم على أصابع ِ الصمتِ.

      وتتابعت لقاءاتي بشعرِ الجرادي في دواوينَ  متفرقةٍ، فكتبتُ عنها، ولم تُفضِِ المصادفاتُ  إلى معرفته الشخصيةِ…حتى دعيتُ إلى المشاركة في تكريمه.. وكانت دعوةً على طريقة الذبحِ الحلال  .

   فأسفتُ على قلةِ حيلتي في إنشاء دراسةٍ احتفاليةٍ بشعرِه،ترفع الأيدلوجيا، وتنصب البنيوية، وتجرّ الرؤيا في محل نصب الرؤية الممنوعة من الصرف . لكنني أشكرُ سوءَ الحظِ لأنه لم يحرجْني بتسقطِ  مَتاعِ النقدِ من تجربةِ شاعرٍ في لحظةِ تكريمِه بكتاب تقدير مذهّب لموته الذي سقط سهواً في سجل الوطن.

       خوّلتُ نفسي  أن أحوّلَ مداخلتي إلى رسمِ مشهدِ شاعرِ، يقطّع الرمل القومي خبزاً برجوازياً لأبناء الشهداء،وهم يبيعون أوسمة أبائهم على بسطة تحديث الفكر القومي ويشترون بندقية ورقية ليراقصوا الحلم العربي الذي هزّ وسط غزة وأرادف الدامعة العربية وكشح هيفا،،فيهشُ بيأسه على الحلم: سأبدأُ مِنْ حيثُ لا يبدؤونْ:

                  صاحب خانني دائماً

                  فضحكتْ!

                  صاحب “خُنْتُهُ” مرّةً

                  فبكيتْ!!

ودخل الشعرَ من بوابة الفاتحين، ظاناً روما ظلَّ حرفٍ فائضٍ في قصيدة النثرِ.

     دخلَ الشعرَ وكان على وهم ٍ عتيدٍ، بأنّ استعادةَ الأندلسِ تنقصُها جملةًٌ على إيقاعِ الخببِ …. وينتبذُ عبدُ الرحمن الداخل في كلّ حرفٍ نخلة ..تبدتْ له وسطَ الرُّصافةِ.

   ودخلَ الشعرَ بقيافة ِ الذيقاريين معتدّاً بأن القدسَ لم تعدْ أبعدَ من تدمير تصريعِ البحرِ المتقارب، فراح ينشئُ قصيدةَ المستقبلِ، فجزّأَ المجزوءَ،وجندلَ الخليلَ في الرَّجَزِ و الرَّمَلِ.

      كان أكثرَ من بدريٍّ  في الظفرِ ببياض ِ الصفحاتِ، فغُلبتِ الرومُ  في أقصى الروي…

      للكلماتِِ القليلةِ أن تغلِبَ كلماتٍ عجافاً كثيرةً، ولكن حين أدرك الجرادي أن الكلام يبقى كلاماً، وأن الحمامَ غيرُ روي الأحلام…. صدَّ غربتَه… فعقتْه موجةُ النثرِ عن الغفرانِ، وصدّقَ الكذبَ الذاتيَّ الأليفَ، وبقي يبددُ  صوتَه في صحراء الغربةِ :

فإني أبددُ حزني بحلوِ الكلامْ

ولستُ أبدلُ تربتنا بالرخامْ

تعالَ.. فلا أنتَ ترغبُ موتاً

ولا راغبٌ، يا صديقي، أنا أنْ أموتْ!

وأنّى للوهمِ أن ينكسرَ في غربةٍ لا حدودَ لها إلا هو،

 وعلى أنّ إبراهيم الجرادي أدركَ أنه هامَ في كلِّ وادٍ وشرِبَ سرابَ حكمتِه.غادر المتردَّمَ  لكنه ما غادرَ  طباقَ الانتماءِ و العماءِ وجناسَهِ، فهو سيناطح الجبلَ  بقرني الحروفِ المهموسةِ ليكسِرَ وزنَه  في  حكمةِ الضلال، ويغنّي:

وأنا المهيّأُ كي أرى جبلاً يناطحُني

                  فأكسِرُهُ!

وأنا الذي يَرِثُ الضلالةَ مثلما يرثُ النساءْ

وأنا الذي يرثُ القصيدةَ مثلما يرثُ المآتمْ

وأنا الذي أغلقتُ أبوابَ القصيدةِ كي يرى

الشعراءُ حكمتها فلا يتساقطونْ

وأنا الذي يدعو إلى الفوضى وحكمتِها

وإلى الوصايةِ كي يغادرَها إلى أخرى؟

     غنّى إبراهيم الجراديُّ  لكنه نسيَ أيةََ حكمةٍ تُصلِحُ لشاعرِ هذا الزمان غلاءَ أحلامِه،وهو يقاومُ تخفيضَ نسبةِ العروبةِ في دمِه.ولا جدارٌ يحمي ظهرَه،وهو يرشدُ الجنازةَ العربيةَ إلى سلِهِا بالغناء: 

أسوقُ التوابيتَ مِثْلَ الظباءِ إلى سهلها،

وأؤسسُ مَمْلَكةَ العُربِ شعراً ووهماً،

أنا، الآنَ، شيخوخةُ الوقتِ، أرمي

توابيته بالبكاء، وأعلنُ أن البلادَ التي

لا تسمى بِلاداً، تعادي القصيدةَ،

     بلى يبني الجرادي ما شاءََََ من الأوطانِ ببياضِ الورق،و هو يدري أن الشعراءَ لم يعدْ يتبعُهم حتى الغاوون، وأنهم ضحِكوا على أنفسِهم بألا يلبسوا خاتماً ولو من حديدٍ لكي لا يشككوا بنبوتِهم،وأن شرطيَّ المرورِ .لا يعفُّ عن الرَّشوة والرُّشوة والرِّشوةِ إلا في مخالفةِ  قصيدةِ النثرِ لنظامِ السير،وأن مستخدمي النافذةِ الواحدةِ أكثرُ طليعيةً، وأجدى مشاركةً في مصيرِ الأمةِ من كلِِّ شعراءِ التفعيلةِ.. ومن روادِ الحداثةِ وما بعدَها.

      هو يعرفُ .. ويدركُ .. لكنه ينكرُ  ما لا  ينكرُ،   وفي أحرج لحظاتِ حياده القسري، يجلدُ ذاتَه، وحين يُنْهكُ، يستجدي التصدّقَ بجلدِه، حتى يُبكي مَن يستبكيه، و يقاصصَ  صمتَ أبيه في أبوتِه:

لمَ يا أبي لا يَسألُ (اللافي) عن الأردنِّ إلا في الجريدَةْ

لِمَ يا (جليلُ) أراكَ في وطنٍ يوزعُنا على الحاناتِ  كالإعلانِ

لم لا أراكَ اليومَ مصلوباً على نَصْلِ القصيدةِ

والعراقُ قصيدةٌ ثكلى تُنيخُ القلبَ كي يبكى أهالينا   فَتُبكينا..!

      كأن إبراهيم الجراديَّ على قدَرٍ اختصَّ  بالبكاء،فله أن يُغِلَّ مراثياً  كما تُغِلُّ قرى العراقِ سوادَها، وله أن يكونَ حادي مغسلي بغدادَ بفراتٍ ناشفٍ :

أنا، الآنَ،أركض شعراً، طِباقاً، تآويلَ توريةٍ، فاقتربْ، أنت، يا سيدَ اللفظِ والموتِ والـ؟ ويا أهلَنا في الأراضي التي سوفَ تُحتلُ

كيف منابعكم؟ حالُنا طيبٌ، والمقام، هنا، سيدٌ

فتعالوا..تعالوا إلينا..!!

     فهل كُتب على الشاعرِ أن يكونَ  حفارَ أساطير الأولين،أم عدةٌ من قبورٍ أخر،ليصيرَ عاصمةَ  النُواح ِ العربي .وكيف له ألا يكونَ ذلك، و كلُّ حرفٍ ينتبذُ في قصيدتِه قبراً قصيّاً لحلمٍ يقتلُ صاحبَهُ، ويطالبُه بالرثاء. وكيف لدمِهِ أن يكونَ حيادياً في القصيدة.. ..والقدسُ كانت.. والعراقُ أولُ أخواتِها الناقصةِ.. وبلادُ العربِ صارت أحرفاً مشبهةً بالفعلِ الجامدِ .

       وعلى الجرادي أن يدْفُنَ موتاهُ في لغةٍ خرساءَ كي لا يعكّرَ متعةَ  الجيلِ الواعد بفنِ الواوا.فهل أدركتَ يا سيدي:  أنك لم تهبِطْ بشعرِكَ الواديَ المقدّسَِ للنخوة العربيةِ …وأن الغربةََ خيرٌ لك .. فحيّ على غربةٍ لا تعافُكَ… وصلِّ لحرفٍ يتصدقُ  عليك بقبرٍ  لا يطوي الجزيرة بخبرِ موتِكَ فيه  فلا تؤاخذنا إن فزعْنا بآمالنا إلى تكريمِك بالكذبِ… .وأيةُ كرامة ٍ لشاعرٍ عربيٍ بعد .. والمتنبي على رصيفِ بغدادَ ينشدُ لمجالسِ الصحوة : تُفلِحُ عُربٌ مُلوكُها عَجَمُ، فطوبى لك وأنت تفلحُ في بعثرة أجزائِك.. 

       طوبى للذئابِ ترعى في باديةِ نعاسِك أحلامَها  فتشرقُ بالدمعِِ عليكَ حتى كادت تشرقُ بكَ ..فهنيئاً لك أن يُشْرقَ بشعرِكَ الفراتُ قصباً.. أنت أدرى بحنينه،ونحن أدرى ما للفراتِ في شعرِكَ من كرامةٍ تكرّمُكَ … 

     فالكريمُ سيدي تكرّمُه كرامتُه،  وحسبك الفراتُ كرامةً في شعركَ،فاعذرني يا صديقي إن بكيتك واستبكيتك في لحظة تكريمِكَ ملكَ الممالك الزائلة ….

فملَّكْتُكَ و استملكتك  رثاءَها .

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com