الموروث و”ثقافة” الفرهود في بلاد الرافدين

29 سبتمبر 2025
الموروث و”ثقافة” الفرهود في بلاد الرافدين

 د. توفيق رفيق آلتونچي 

هي دولة ُ” الفرهود ِ” حارسُها

لصٌّ.. وقاضي عَـدْلِـهـا مُغْمى!

وطـنٌ يُـكـبَّـلُ فـيـه ِ مُـنـتـفِـضٌ

عـفُّ الـيـديـنِ ولُـصُّـهُ يُـحْـمى!

مـاكان ذا ريـش ٍفـكـيـف غـدا

حُوتا ً تفـيضُ لحومُـهُ شَـحْـمـا؟

حافي الـقُـدورِ يَـداهُ ماعـرفتْ

غرْسـاً ولا سَـعَـتِ الخطى يوما!

أأبـوهُ ” قــارونٌ ” فــأوْرَثــه ُ

يـاقـوتَـهُ والــتِـبْـرَ والـنُّـعـمـى؟ 

الشاعر العراقي يحيى السماوي

حافظت الشعوب علىً موروث الثقافي رغم ان هذا الموروث ليست له علاقة او حكر بقوم معين بل تجذر حتى بين شعوب غير بدوية ومعظمها كانت تحتل وتغزوا من الهكسوس وصولا إلى نابليون ولورنس العرب والاستعمار الحديث وإلى يومنا هذا. اذ تجد ارثا لهؤلاء حتى في أسماء الأحياء والميادين والشوارع لشخصيات غير عربية واحتفظت الشعوب بجميع القصور والقلاع وكل مقتنياتها من أثاث ومجوهرات ولوحات لا تقدر بثمن يزورها الملايين من السياح سنويا.

 لا ريب انً بلاد الرافدين ومصر حكمتها شعوب عدة من غير المصرين من إغريق ورومان وصولا إلى المماليك والتتار والعثمانيين والكرد ايام صلاح الدين الأيوبي. اما الشعب المصري فلم تؤثر فيه الثقافة البدوية إلا في اجزاء صحراوية بعيدة عن النيل والحضارة. بقى ان نعلم بان هذا الشعب كان ولا يزال يكن احتراما للتراث فهم بناة الأهرامات لملوكهم ولم يكرهوهم، بل عملوا سنوات لبناء وتزين قبورهم ومعابدهم ورغم ان لصوص المقابر وهم على العموم من ابناء القرى البعيدة عن الحضارة قاموا بإتلاف الكثير من الموروث الفرعوني لمصر القديمة وتم الاعتداء حتى على الموتى من المومياوات وقبور الملوك وسرقة محتوياته واحيانا تخريب المقابر والأضرحة. بهذا الصديد إذا رغب القارئ مشاهدة فلم رائع في السينما المصرية للمخرج الراحل شادي عبد السلام يحكي حكاية احدى القرى المصرية التي عاشت سكانها على تجارة الآثار المسروقة (المومياء) .

 لذا نرى انتشارا واسعا وفي جميع أنحاء العالم للآثار المصرية ومقتنيات متاحف او شخصية،وانت تسير في احياءً القاهرة الشعبية تجد متحفا يشبه تعتبر جزء اساسياً للثروة الوطنية. ورغم ان مصر احتلت من قبل شعوب عددة ولكن شعبها بقوا يحترمون الإرث ويحافظون علىً كل شيء ولا اعتقد بانً هناك دولة تضاهي مصر في ارثها الثقافي الانساني التعددي من بقايا الامم والحضارات القديمة. 

هذا نراه كذلك في الأندلس بصورة خاصة وفي إسبانيا بصورة عامة فجميع القلاع والقصور لا تزال مزدهرة بعد دهر من انتهاء الحكم الإسلامي فيها وكذلك بالإمكان زيارة قصور سلاطينً ال عثمانً في تركيا وحتى في ايران يمكن زيارة قصور الشاه وللحقيقة هذا ما نراه في جميع الدول الاوربية المتحضرة. هذا الاحترام الكبير للإرث الثقافي خاصة في اوربا مهمً جدا خاصة ان دولهاً خاضتً حربينً عالميينً ودمرت مدن باكملها وسويت بالأرض . لقد زرت معظم الدول الاوربية وشاهدت قصور الملوك والأباطرة حيث يعتبرون تلك الآثار من الثروة الوطنية ولا ريب ان حتى بعض النصب والتماثيل تعتبر مهمة كما هي عليها مثلا برج ايفل وبناية الأوبرا في سدني وتمثال الحرية في الولايات المتحدة والتي تصرف عليها الملايين حي يحافظ على الجزيرة والتمثال القائمً عليها. أماكن قد كان الناس يوما لا يريدون إقامتها الان تجلب الملايين من السياح لمشاهدتها.وقد بنى المصريون احد اكبر المتاحف في الشرق الأوسط وزينوها بنوادر الآثار المصرية يامها اليوم الملايين. وقد حافض الجمهورية التركية على جميع ارث الدولة العثمانية من قصور ومقتنيات تزين اليوم متاحفها وكان الشعب الإيراني واعيا لاهمية التراث فلم يصب اي من القصور الملكية باذى خلال الثورة الإسلامية في ايران. قصر محمد علي باني مصر الحديث والشمس شعار تزين السقف.

 اما في العراق وفي العاصمة بغداد عاصمة الخلافة العباسية ومركز العالم القديم فلا نجد فيه اليوم إلا بعض الآثار العثمانية من بنايات آلية بالهدم والخراب والبقية كلها سرقت ونهبت ابان الحروب والنزاعات ودمرها الغوغاء وآخرها وليس الأخير كان ما يسمى القصر الملكي قصر الرحاب ولم ينج حتى مقابر الائمة والصالحين التي نبشت وحرقت وحتى سرقة رفاتهم وهذا ما يسمى ب (الفرهود) اي السلب والنهب والسبب لتلك الحوادث وتقبلها في المجتمع العراقي تعود إلى  الموروث الثقافي البدوي الذي لا تزال آثاره باقية ومتأصلة في أعراف هذا الشعب وما يسموه “چسب الضحى”. 

عند جميع العشائر العراقية. واذا ما أعطي الضوء الأخضر حتى اليوم لهم أغار بعضهم على البعض الاخر ونهبوا وسلبوا وهدموا بيوت جيرانهم. 

وهي اي الفرهود ثقافة بدوية صحراوية تأصلت بين ابناء العشائر العربية العراقية منذ عهد الفتوحات في غزو الممالك والأمصار ونهب ثرواتهم مع سبي نسائهم وهي متجذرةً في الأعراف العشائرية لحد يومنا هذا . وتلك من بقايا ثقافة اقوام صحراء وانتشرت مع الغزوات ايام كانت قبائل العرب في الجزيرة العربية تغزوا جيرانها ليلا وتنهب وتسبي نساءهم.

كما ودخل مصطلح الفرهود حياتنا في العصر الحديث. يذكر بان الفرهود حصل للعراقيين من اليهود ابان هجرتهم إلى فلسطين وقد قام العراقيون بنهب بيوت رجال الحكم الملكي وقصور العائلة الملكية وحصل جرائم مماثلة للكورد الفيلبين ابان إبعادهم وتهجيرهم مع مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وهذا ما جرى في احتلال الكويت حيث ترك للجيش العراقي حرية السطو والسرقة لمدة ثلاثة ايام ويسمى ايام الحواسم. وكل ما نهب انذاك يسمى حواسم. ولم تنجُ حتى المتاحف من النهب ابان سقوط النظام واحتلال جيوش الاحتلال للعراق عام ٢٠٠٣. وتلك ارث من بقايا الحروب والغزوات حيث كانت الجيوش المنتصرة تنهب المغلوب مدة ثلاث ايام. لا زلت أتذكر وفي الستينيات تم فرهود حي من احياءً مدينة كركوك يسمى ب (رحيم اوى) عنً طريق ميلشيات مسلحة كانت تسمى قوات خالد ابن الوليد وحدث ذلك رسميا مع تهجير الفيليين ومصادرة اموالهم المنقولة وعقاراتهم الغير منقولة وتهجيرهم الى ايران وبأيادي الدولة حين تم مصادرتا ملاكم ومقتنياتهم. كما تكررت تلك ألإعمال  في ام المعارك وحين تم احتلال الكويت واستبحت الامارة لثلاث ايام (الحواسم) وما يسمى بحرب الخليج الثانية ومن ثم إبان الاحتلال القوات التحالف للعراق. وما حصل للمتاحف في بغداد والموصل منً تخريب وسرقة واستخدام طابوق الآثار في بناء سدة الهندية حكاية معروفة لدن العراقيين ناهيك عن هدم آثار بغداد القديمة وأبوابها ولم يبقى إلا جزء بسيط من سوره القديم وبعض الآثار العثمانية والسلجوقية. 

باعتقادي الفرهود الحديث نظريا يعتمد على فكرة الشباك المكسور او نظرية النوافذ المكسورة (Broken Windows Theory) هي نظرية في العلوم الجنائية تفترض أن علامات التدهور والإهمال في البيئة الحضرية وخاصة في الحروب ، تشجع توفر العوامل الأساسية لجريمة السرقة وهي وجود الحاجة الثمينة المادية وغياب الحراسة والمراقبة وطبعا وجود السارق ورغبته على السرقة. وقد اجريت تجارب في أحياءً فقيرة بوضع سيارة حديثة في احد شوارعها ولم تمر دقائق وكانت قد تم تخريبها وسرقة محتواها في حين بقت السيارة نفسها على حالها أسابيع في حي للأغنياء، ولكن حتى في هذا الحي الراقي عندما كسر احد نوافذها لم تمر إلا وقت قصير حتىً تم سرقة ما كان في السيارة. العبرة بان أشياء صغيرة في الحياة لها نتائج كبيرة جدا في المستقبل كما هي عليها كسر او شرخ صغير في النافذة الأمامية للسيارة. 

لهذا يعتبر الفساد الإداري وسرقة المال العام فيروسا قاتلا للأنظمة أينما وجدت وهي كالسوس تنخر مركز النظام وينتهي به في النهاية ” كعصف مأكول ” وهذا ما حصل حتى لإمبراطوريات فسدت كما كانت عليها الدولة العليلة العثمانية خاصة في أيامه الأخيرة. العراق الدولة الوحيدة الذي مواطنيه يلعنون كل حاكم وينبشون قبورهم لمسح آثارهم وحتى بعض تلك القبور مجهولة الاستثناء في المقبرة الملكية. لكن اي دولة تسير في هذا الركب اي درب الفساد مع توفر الشروط الثلاث التي ذكرته أعلاه ووجود الأرضية الخصبة للسرقة وتقنينها كموروث ثقافي يستمر الفرهود حتى يوم القيام والسوس تأكل هيكل النظام الفاسد مع العباد من الداخل ويؤدي إلى تسوسها وانهيارها أجلا ام عاجلا. 

السويد

 ٢٠٢٥

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com