عبدالحميد زيباري
– أربيل
لا نحتاج إلى الغوص بعيداً في التاريخ للحديث عن تضحيات قوات البيشمركة في الدفاع عن الشعب الكُردي في إقليم كُردستان، والذي لا يزال جزءاً من العراق، بل أيضاً عن دورها في حماية المكونات العراقية الأخرى من الإيزيديين والعرب والتركمان والمسيحيين في المناطق الواقعة خارج إدارة الإقليم.
ولعلّ الذاكرة لا تزال تحتفظ بمشاهد مشاركة قوات البيشمركة في بغداد عامي 2006 و2007، عندما أُرسلت وحدات منها لحماية الأحياء السكنية والمنطقة الخضراء إبّان ذروة العنف الطائفي. غير أن الدور الأبرز للبيشمركة تجلّى بعد عام 2014، حين تصدّت لتنظيم داعش الإرهابي الذي عُدّ في حينه أخطر تنظيم مسلح في العالم.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية، فقد قدمت قوات البيشمركة بين حزيران/يونيو 2014 وتشرين الثاني/نوفمبر 2016 ما لا يقل عن 1614 شهيداً، فيما بلغ عدد الجرحى نحو 9515 مقاتلاً. وما يزال مصير عدد من الذين وقعوا في قبضة داعش مجهولاً حتى اليوم.
كلمة “بيشمركة” بالكُردية تعني “الذين يواجهون الموت”، وهي التسمية التي يطلقها الكُرد على مقاتليهم. وبحسب الدستور العراقي، تُعدّ هذه القوات جزءاً من المنظومة الدفاعية العراقية.
أتذكر جيداً، خلال إحدى التغطيات الصحفية في مدينة مخمور وأطراف الموصل، كيف استقبلت قوات البيشمركة عائلات نازحة وأنا اريد الاشارة الى حادثة معينة وكنت شاهدا عليها وهي قدوم نازحين وجميعهم من النساء والاطفال من الحويجة. روى أفرادها لنا أنهم ساروا مشياً على الأقدام 13 ساعة متواصلة للوصول إلى مناطق سيطرة البيشمركة، هرباً من داعش وخشيةً من الميليشيات التي كانت ترافق القوات العراقية. تلك العائلات أكدت أنها شعرت بالأمان تحت حماية البيشمركة، التي قدّمت لها المساعدة دون مضايقات أو إهانات.
ولا يمكن إنكار أن الجيش العراقي ما كان له أن يحقق تقدماً حاسماً في تحرير الموصل وكركوك لولا فتح الطرق وتأمين الممرات من قبل قوات البيشمركة، وهو ما يشهد عليه خبراء التحالف الدولي.
رغم هذه التضحيات، جاء خطاب “النصر” الذي ألقاه رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي خالياً من أي إشارة لدور البيشمركة. وبرّر مكتبه ذلك في وقتها، بأنه “خطأ مطبعي”، لكن يبقى السؤال مطروحاً: هل يُعقل أن يُغفل ذكر قوة عسكرية فاعلة ساهمت بشكل جوهري في تحرير البلاد؟
كان من الأجدر أن يأتي التكريم من الداخل العراقي، عبر تسمية شارع أو ساحة باسم البيشمركة في بغداد العاصمة، ترسيخاً لوحدة الصف وتعزيزاً للتماسك الاجتماعي. لكن الواقع أن الاعتراف الأكبر جاء من الخارج، لاسيما من دول التحالف الدولي.
فخلال المعارك ضد داعش، زار قادة ورؤساء حكومات ووزراء دفاع وخارجية من مختلف الدول خطوط البيشمركة الأمامية أكثر مما فعل المسؤولون العراقيون. بل إن الولايات المتحدة خصصت مساعدات مالية مباشرة لهذه القوات، إدراكاً لأهميتها في مواجهة الإرهاب.
وأحدث مظاهر التكريم جاء من فرنسا، حيث أطلقت حكومتها اسم “البيشمركة” على أحد الممرات المخصصة للمشاة في أكبر متنزه قرب برج إيفل في باريس. أقيمت المراسم بحضور الرئيس مسعود بارزاني وأكثر من ثلاثين مقاتلاً من البيشمركة، إلى جانب شخصيات من الجالية الكُردية وعمدة باريس، قبل أن يُستقبل بارزاني رسمياً من قبل وزير الخارجية الفرنسي.
إنّ مثل هذا التكريم الأوروبي دليل على أن ما قدمته البيشمركة لم يكن مجرد مساهمة عابرة، بل تضحيات عظيمة تستحق أن تُخلّد. فالغرب، بعكس ما يحدث أحياناً في المنطقة، لا يجامل في مثل هذه القضايا. ولو لم تدرك الحكومة الفرنسية القيمة الحقيقية لدور البيشمركة، لما أقامت هذه المراسم ولا منحت هذه المكانة.
وهكذا يظل السؤال قائماً: متى يأتي الاعتراف الداخلي بما يليق بتضحيات البيشمركة في الدفاع عن العراق وشعبه بكل مكوناته؟
















































عذراً التعليقات مغلقة