اتفاقية الدفاع الاستراتيجي السعودي الباكستاني

24 سبتمبر 2025
اتفاقية الدفاع الاستراتيجي السعودي الباكستاني

د.محمد كرواوي*

تشير اتفاقية الدفاع الاستراتيجي السعودي الباكستاني الموقعة في سبتمبر 2025 إلى تحول نوعي في هندسة الأمن الخليجي والآسيوي معا، إذ لم تعد العلاقة بين الطرفين مجرد تعاون عسكري تقليدي قائم على تبادل الخبرات والتدريب، بل ارتقت إلى مستوى إعلان مبدأ المصير الأمني الواحد، بحيث يعتبر أي اعتداء على أحدهما اعتداء على الآخر. بهذا المبدأ، تقترب الاتفاقية من صياغة شبيهة بميثاق الحلف الأطلسي، لكنها تتخذ سياقا آسيويا إسلاميا نادرا في العلاقات الدولية. وتكمن قوة الاتفاق في إدماج القدرات النووية الباكستانية ضمنيا في معادلة الأمن الخليجي، إذ صرح وزير الدفاع الباكستاني بأن هذه القدرات متاحة ضمن الاتفاق، وهو ما يزرع في حسابات الخصوم المحتملين، وفي مقدمتهم إيران وإسرائيل والهند، هاجسا ردعيا لا يمكن تجاهله. السياق السياسي الذي أحاط بالاتفاق يضفي عليه بعدا إضافيا، فبعد الضربة الإسرائيلية على الدوحة وما أثارته من قلق خليجي حول هشاشة الضمانات الدولية، سعت الرياض إلى بناء تحالف يوفر عنصر الردع السريع والحاسم، فوجدت في باكستان الشريك الأمثل: قوة نووية معلنة تعاني في الوقت نفسه من أزمة اقتصادية خانقة، ما يجعلها في حاجة إلى الاستثمارات السعودية. وهكذا، تحول الاتفاق من وثيقة دفاعية إلى صفقة شاملة تدمج البعدين العسكري والاقتصادي، وتتيح لكل طرف تحقيق أهداف استراتيجية متقاطعة؛ فالسعودية تنتقل من موقع التابع إلى موقع الفاعل المستقل القادر على هندسة تحالفاته، وباكستان تفتح لنفسها مجالا يتجاوز جنوب آسيا نحو الخليج لتكريس دورها كقوة إسلامية نووية ذات نفوذ إقليمي.

غير أن هذه الاتفاقية، بما تنطوي عليه من غموض ردعي، تحمل في طياتها وعودا كبرى بقدر ما تنطوي على مخاطر جسيمة. فالغموض المتعلق بشروط التفعيل وحدود التدخل يزيد من قوتها النفسية، لأنه يضع الخصوم أمام حالة من اللايقين الاستراتيجي، لكنه في الوقت ذاته يثير قلق الحلفاء الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، التي قد ترى فيها مسارا بديلا يضعف اعتماد الخليج على مظلتها الأمنية. وهنا تظهر المفارقة: كلما تعزز استقلال القرار الأمني السعودي، ارتفع احتمال الاحتكاك مع الشركاء التقليديين. وعلى مستوى أوسع، قد تتحرك الهند لمواجهة التهديد المحتمل عبر تعزيز تحالفاتها مع إسرائيل وواشنطن، فيما قد تلجأ إيران إلى تصعيد أمني في الخليج أو عبر أذرعها في العراق وسوريا لقياس جدية الاتفاق. أما واشنطن، فستجد نفسها أمام معضلة صعبة: إما تقبل بقطب ردعي جديد تقوده الرياض وإسلام آباد، أو تسعى لاحتوائه عبر ضغوط اقتصادية ودبلوماسية. بهذا، يتضح أن الاتفاقية لا تمثل خاتمة لمسار طويل من التعاون العسكري، بل بداية لمرحلة جديدة في إعادة تشكيل هندسة الأمن الإقليمي، تجعل الخليج وجنوب آسيا معا ساحة مفتوحة لتوازنات استراتيجية غير مسبوقة، وتحمل في آن واحد وعود التحرر من الهيمنة التقليدية ومخاطر الانزلاق إلى صراعات إقليمية أوسع.

*كاتب وأكاديمي مغربي

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com