د. منال إبراهيم
المدير التنفيذي لمعارض الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
في عام 2015، احتفل العالم بإقرار الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، التي اعتبرها الكثيرون نقلة نوعية في فكر التنمية العالمي. لكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذه الأهداف لم تكن سوى تأكيد متأخر لرؤية استشرافية عبقرية بدأها الأمير طلال بن عبد العزيز – رحمه الله – قبل سبعة عقود من إقرارها عالمياً.
القصة تبدأ في عام 1946، عندما كان الأمير طلال في السادسة عشرة من عمره فقط، حيث قدم مبلغاً كبيراً لبناء مدرسة في مدينة الطائف. هذه البادرة البسيطة كانت أول خطوة في رحلة استثنائية امتدت عقوداً، وسبقت العالم كله إلى مفهوم التنمية المستدامة.
في الخمسينيات من القرن الماضي، لم يكتفِ الأمير الشاب بالحلم، بل انتقل إلى التنفيذ. أسس أول مدرسة للتأهيل المهني للبنين ليهيئ شباب بلده لسوق العمل ومكافحة الفقر، ثم تبرع بقصر الزاهر ليصبح أول كلية للبنين. وفي خطوة جريئة سبقت عصرها، اهتم بابتعاث أبناء الوطن على نفقته الخاصة، محققاً الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (التعليم الجيد) بعقود.
عام 1957، شهد تحولاً آخر في مسيرة الأمير التنموية. لم يكتفِ بالتنظير في مجال الرعاية الصحية، بل انتقل إلى التنفيذ بتأسيس أول مستشفى أهلي في الرياض، والذي عُرف باسم “مستشفى الأمير طلال” قبل أن يهبه للدولة ليصبح مستشفى الملك عبد العزيز الجامعي.
وفي العام نفسه، حقق إنجازاً اجتماعياً جريئاً بتأسيس أول مدرسة أهلية لتعليم البنات في الرياض، محققاً هدف المساواة بين الجنسين في وقت كان تحقيق مثل هذا الهدف شبه مستحيل.
النقلة الكبرى في مسيرة الأمير الإنسانية جاءت عام 1980، عندما اختارته منظمة اليونيسيف كأول مبعوث خاص لها. خلال أربع سنوات، أشرف على تنفيذ ما يقرب من 50 مشروعاً خيرياً في 70 دولة عبر خمس قارات، مستهدفاً قطاعات الصحة والتعليم والتنمية الاجتماعية.
وفي لفتة إنسانية نادرة، اختتم مهمته بتقديم طائرته الخاصة هدية للمنظمة، والتي لا تزال معروضة في متحفها حتى اليوم كرمز للعطاء اللامحدود.
لم تتوقف رؤية الأمير العالمية عند هذا الحد. في عام 2002، اختارته منظمة اليونسكو كأول مبعوث لشؤون المياه، وذلك لأنه سبقهم وأنفق 30 مليون دولاراً في مشاريع المياه حول العالم. ثم امتدت جهوده على مدى سنوات لتشمل 88 دولة، مركزاً على التعليم ومحو الأمية وتعزيز التنمية الاجتماعية للمعوقين وضعاف البصر.
بنى الأمير طلال منظومة متكاملة من المؤسسات التنموية الرائدة، بدءاً من برنامج الخليج العربي للتنمية عام 1980، مروراً بالمجلس العربي للطفولة والتنمية، وبنوك الشمول المالي، ومركز المرأة العربية للتدريب والبحوث، والجامعة العربية المفتوحة، وانتهاءً بالشبكة العربية للمنظمات الأهلية.
ولم ينقطع الخير بوفاته، بل امتد في أوقاف الأمير طلال التي انبثقت منها مؤسسة طلال الخيرية، لتعمل جميعها في تناغم عجيب نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
التحليل الدقيق لمسيرة الأمير طلال التنموية يكشف أنها غطت معظم أهداف التنمية المستدامة قبل إقرارها عالمياً بعقود: من القضاء على الفقر (الهدف الأول)، إلى التعليم الجيد (الهدف الرابع)، والصحة الجيدة (الهدف الثالث)، والحد من أوجه عدم المساواة (الهدف العاشر)، وصولاً إلى عقد الشراكات لتحقيق الأهداف (الهدف السابع عشر).
تبقى مسيرة الأمير طلال التنموية شاهداً حياً على أن الرؤية الاستشرافية والعمل الدؤوب قادران على تغيير العالم. لقد أسس لمفهوم التنمية المستدامة قبل أن يصبح توجهاً عالمياً، وأثبت أن العمل الإنساني والتنموي لا يعرف حدوداً جغرافية أو زمنية عندما يقترن بإرادة صادقة ورؤية ثاقبة.
في زمن تتسارع فيه التحديات العالمية، نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استلهام روح الأمير طلال بن عبد العزيز، الرائد الذي علمنا أن التنمية الحقيقية تبدأ بالإيمان بالإنسان وتنتهي بخدمته، بغض النظر عن لونه أو جنسه أو موطنه.













































عذراً التعليقات مغلقة