8/8:  يومُ نصرٍ لم يُستثمر

8 أغسطس 2025
8/8:  يومُ نصرٍ لم يُستثمر

فارس الخطاب

في الثامن من آب/أغسطس 1988، تم تفعيل قرار الأمم المتحدة رقم 598 لتتوقف العمليات العسكرية رسميًا بين العراق وإيران، بعد أن دوّت صفارات الهدنة على طول جبهات القتال بين البلدين، مُعلنةً نهاية أطول حروب القرن العشرين في الشرق الأوسط، وأكثرها استنزافاً. حرب الثماني سنوات، التي حصدت أكثر من مليون قتيل وملايين الجرحى والمشردين، انتهت بشكل فعلي في 20 أغسطس، حيث انسحبت القوات من كلا الطرفين إلى خطوط ما قبل 1975.

العراق انتصر إستراتيجياً في هذه الحرب من جانبين، الأول هو صمود النظام السياسي بقيادة الرئيس الأسبق الراحل صدام حسين رغم كل محاولات القيادة الإيرانية وحرسها الثوري لتصفيته وإجهاض التجربة في العراق، والجانب الآخر هو احتفاظ العراق بحدوده دون تنازل عن أراضيه السيادية كما لم يطالب بدفع أية تعويضات بما يعنيه ذلك من موقف دولي عام لا يدين العراق في إشعال هذه الحرب أو ارتكاب تجاوزات تخص حقوق الإنسان والقوانين الدولية المحددة لسلوك الجيوش خلال الحروب. 

خرج الشعب العراقي على بكرة أبيه في شوارع وساحات المدن ليعبروا عن فرحتهم بانتهاء الحرب “الكابوس” الذي استنزف طاقات بلدهم البشرية والمالية والتي قدرت بمئات ألوف الشهداء والمعوقين والمفقودين مع تكلفة مادية قدرت بـ 65 إلى 80 مليار دولار من ميزانية العراق فقط. لكن العراقيين كانوا مؤمنين أن بلدهم غني بخيراته وقدرات كوادره البشرية مع إيمانهم بقدرات رئيسهم الذي كانوا يمثلونه بقبطان سفينة العراق والقادر على إرساء هذه السفينة على بر الأمان وإعادة العراق إلى مكانه الريادي في الشرق الأوسط والعالم.

 لكن بدلاً من أن تكون نهاية الحرب بما قدمنا له من مكاسب للعراق وقيادته وشعبه، نقطة تحوّل نحو إعادة البناء والسلام، لم يترجم هذا “النصر” إلى مشروع نهضوي أو استراتيجية للتعافي. لم تُستثمر اللحظة لإعادة الإعمار، بل استمر الخطاب السياسي العراقي على نفس منواله، كما استُخدمت روح النصر في تعزيز النرجسية السياسية لا في بناء الدولة.

إذن وبدلاً من استثمار إنتصار 8/8 لصالح إعادة إعمار العراق، تم تسخيرها لركيزة توسيع الطموحات، وقد تكون هذه الطموحات مشروعة، لكن سرعة الإجراءات أبقت العراق بوضعٍ متوتر خاصةً أنها جاءت بعد أشهر فقط من انتهاء الحرب، قابل ذلك ضغوط اقتصادية على القيادة العراقية تمثلت بديونه الهائلة (خصوصًا للكويت والسعودية)، وتراجع أسعار النفط، وافتقاده للدعم العربي الذي كان قد حصل عليه خلال الحرب ضد إيران. لكن مع هذه الأجواء المتوترة والضغوط المتصاعدة على القيادة العراقية، بقيت أقطار الدول الأمة العربية ممثلة بقادتها يتعاملون مع هذه القيادة بهيبة كبيرة، وربما كانت استجابتهم المطلقة لقمة بغداد عام 1990 وبتمثيل لأعلى المستويات القيادية لم تشهد مثيل له اجتماعات القمم العربية اللاحقة، دليل على إيمان الجميع بإن العراق لاعب رئيسي ضابط لإحوال الأمة ومراكز قوتها.

كانت القيادة العراقية تنتظر من الأشقاء في الخليج العربي إطفاء ديونهم المستحقة عليه لإن القيادة العراقية تؤمن أن هذه الأموال لا يفترض أن تكون ديوناً على العراق كون العراق قاتل نيابة عن الأمة وبالذات دول الخليج العربي لدرء خطر تمدد الثورة الإسلامية واجتياح هذه الدول بشكل أو بآخر ، لكن دول الخليج وخاصة الكويت لم تعد تؤمن بذلك بعد أن وضعت الحرب أوزارها ، وقد طالبت بهذه الديون المستحقة فعلاً ، وفي هذا السياق، وفي لحظة تملكت فيها ظنون القدرة والقوة اتخذت القيادة العراقية قرارًا “كارثيًا” في الثاني من آب/أغسطس 1990 تمثل بغزو الكويت واحتلالها ، هذا القرار أجهض كل ما تحقق في 8/8 ، وأدخل العراق في عزلة دولية، ثم في حرب الخليج الثانية، فالحصار الخانق، ثم الاحتلال الأمريكي عام 2003.

إن 8/8 لم يكن مجرد تاريخ لنهاية الحرب العراقية الإيرانية، بل كان يمكن أن يكون بداية جديدة بموقع وصفات تاريخية متقدمة للعراق وقيادته الوطنية. إن وقوع العراق بمطب الكويت ضيع عليه فرصة تاريخية لتحديد المسار الذي منحته قدراته في النصر على إيران، كان يمكن أن يتحول العراق بما يملكه من “روح النصر” إلى بلد اقتصادي منتج وفعّال في محيطه الإقليمي، يعيد إعمار البلاد صناعياً وزراعياً وتنموياً، ويعلن عن حزمة من الحريات بالانفتاح على الداخل والخارج مع تطوير قواته المسلحة بشكل احترافي للحفاظ على سيادة العراق دون بيانات أو إعلانات أو اثارة المخاوف في غير أوقاتها، لكن العراق، وفي مواضع عديدة فضل مبدأ “السيطرة بالقوة” بدلًا من “البناء بالعقل”.

8/8 يومٌ يستحق أن يُدرّس، لا فقط كيوم لنهاية حرب، بل يوم يكشف كيف يُمكن للنصر أن يتحوّل إلى لعنة، إن لم يُحسن القادة قراءته واستثماره. لقد انتصر العراق في الحرب، لكنه خسر ما بعدها لإنه اختار أن يبقى على منطق استخدام القوة المباشرة لمحاورة خصومه في حين أن هناك عدة أوجه للقوة قد ترغم الخصوم على التراجع دون أن تتحرك دبابة أو طائرة واحدة ، وكانت تجربة الكويت “لعنة” أفضت إلى تدمير العراق بمرحلتين الأولى عام 1991 ، والثانية وهي الأوقع والأخطر عام 2003 التي أنهت النظام السياسي في العراق بكامله وأحلت محله مجاميع من القتلة والسُراق والفاسدين ، بل الأمّر والأدهى هو تمكين إيران التي انتصر عليها العراقيون في 8/8 عام 1988 من احتلال العراق من أقصاه إلى أقصاه دون إطلاق رصاصة واحدة وتجنيد حكامه لدى حرسهم الثوري ليذلوا الشعب الذي سماه يوما ً الرئيس الراحل صدام حسين بـ “شعب الذُرى”.

التعليقات تعليق واحد

عذراً التعليقات مغلقة

  • حامد العبادي- بروكسل 8 أغسطس 2025 - 8:02

    لا اعلم هل يوجد الى حد الان محللين يستشهدون بمقولات صدام حسين ، اي شعب الذرى واي وصف خمسين واحد وصف العراقيين باتعس الاوصاف سابقا وحاليا .

الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com