سميرة مسرار، شاعرة مغربية.. لا غزلَ يشعلُ الروحَ في باريس

22 أغسطس 2025
سميرة مسرار، شاعرة مغربية.. لا غزلَ يشعلُ الروحَ في باريس

هل تذكرُ ذلك اللقاء ؟

سميرة مسرار 

شاعرة من المغرب

بين أزقة الذكريات

هل تذكر ذلك اللقاء

بين شوارع باريس؟

كنتَ تنتظر في مقهى الرحيل…

هل تحنّ كأننا خُلقنا لذاك اللقاء؟

لم يكن حميميًّا

كلقاء عشّاق هذا البلد…

لا نظرات…

ولا همسات

تُغرق عاشقين حتى الذوبان…

ولا غزل يشعل الروح،

ولا عتاب يسيل الدموع

على سفوح الخدود…

ولا دقّات قلب يعلو أنينه!

هل تذكر ذاك اللقاء؟

مشينا سنوات طوالًا…

قطعنا مسافات وبحارًا،

كنا نقاوم صراخ الفؤاد،

نبحث عن طريق الهروب،

نقاوم الريح المعطّرة بأريج الحنين…

وعيونا خجلى… تشتاق،

تريد الرحيل،

تبحث عن موطنٍ في حضن الحبيب

قبل أن يتمزّق القلب،

ويظل يشكو وجع السنين،

شرايينه تحكي طلقات

نطقت بها ذكريات يومٍ أليم…

هي ذكريات مقهى الرحيل!

جئتَ تحمل قارورة عطر،

تمسك زهرة ومنديلًا حزينًا…

وهذي دموعي ترسم ما تبقّى من حنين.

آهٍ من أيامٍ سرقت!

غابت… تركت قلبًا ضائعًا بين الرياح

يقاوم رفات حبٍّ عاصف،

يطوف بالأشجان سبعًا

بين شوارع اللقاء.

هل يسأل المجنون

لماذا كل هذا الجنون؟

وطرق العاشقين بحور… لا تنتهي.

كيف يطيب لك العيش،

ولا يزورك طيفي كل حين؟

كيف تنسى عناقًا من أنين

شهدت عليه كل الشعوب؟

لمن أبوح بسرّنا؟

وفحيح الروح يسري،

والشوق داءٌ مكين.

لترحل العيون بلا وداع،

ولتتكئ الأنامل على أكفّ الآهات!

ألم يسكن صدري

والصدى يعانق البكاء؟

فؤادي يغنّي حزنًا،

قضى عليه الحنين…

دعني أودّعك بلا دموع ولا أنين!

هذا وعدٌ منّي، رغم الدموع،

سأتركك تطير راحلًا،

أو تمشي بخطوات أمير.

إنّي زرعتُ وشمًا لن يزول

حتى بعد الموت والرحيل.

هل تذكر مقهانا ذات شتاء؟

لستُ أدري…

أنت سيّد النسيان،

لا تعرف كيف، متى، وأين كان اللقاء.

ألا تذكر…

كيف كان الصمت يعلو فوق كلماتنا؟

كنا نقرأ الحروف في العيون،

ونخفي ارتجاف الأصابع تحت الطاولة،

كأنّ العالم كله يتآمر علينا،

وكأنّ اللقاء قدرٌ مكتوب

لا يجرؤ على الصراخ.

ألا تذكر…

كيف ارتجف الكوب بين يديك،

وكيف أزهر الحزن في فنجان قهوتي؟

كنتُ أرتشفه قطرةً قطرة،

وأبتلع معه ألف غصّة،

ثم أبتسم…

كي لا ينكشف القلب على الملأ.

ألا تذكر…

كيف كان المقهى يشيخ بنا،

ويُطفئ شمعةً بعد أخرى،

حتى غمرنا الليل…

كأنّنا آخر عابرين

في مدينة لا تعرف النوم؟

ألا تذكر…

حين عبرتَ الشارع مسرعًا،

وتركتني أعدّ خطاك؟

كل خطوة كانت طعنة،

وكل التفاتة كانت نجاة مؤقتة،

لكنّ النهاية سقطت كغصنٍ ميت

في حضن الريح.

ألا تذكر…

أننا كتبنا عهدًا على الغياب،

أن لا نعود إلى ذلك المكان؟

لكنّي أعود كل ليلة…

أجلس على ذات المقعد،

أطلب ذات القهوة،

وأنتظرك…

كأنك ستطلّ في أيّة لحظة

من بوابة المساء.

تركتُ الكرسيَّ فارغاً 

كي يجلس عليه الغياب.

وتركتُ الفنجانَ نصف ممتلئ،

كي لا يكتمل الحلم.

سأمضي،

كعابرةٍ لا تترك أثرًا على الرصيف،

لكنّ خطواتي ستظلّ تصحو

كلّما مرّ طيفك بالعتمة.

لا وداع…

فالوداع كلمةٌ ضعيفة.

ولا دموع…

فالدموع خيانة للنور.

سأكتفي بأن أُغلِق النافذة،

وأترك للقمر مهمّة الحراسة،

كي يذكّرك — إن عدتَ —

أنّي لم أكن يوماً سوى ظلٍّ

يمرّ خفيفًا بين أزقّة الذكريات

القصيدة خاصة لصحيفة قريش – لندن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com