رثاء الفنان التشكيلي: سعيد حجي.. زمن تأمل الفن                   

3 أغسطس 2025
 رثاء الفنان التشكيلي: سعيد حجي.. زمن تأمل الفن                   

بقلم: سلوى المجاهد

كاتبة من المغرب 

هكذا قد نفهم رحيل الفنان التشكيلي سعيد حجي: كخسارة صامتة، بلا ضجيج، بلا لفتة، بلا ضوء. غادر كما عاش تمامًا، على الهامش، وفي الظل كما لو أن وجوده نفسه كان تمرينًا دائمًا على العزلة. رافضًا أن يتنازل عن صدقه أو يساوم على ألمه. لم يكن سعيد فنانًا يطلب الاعتراف.. لم يطلب شيئًا سوى أن يُترك له متّسع للرؤية والتعبير، ولو على حافة الوجود. وحين وافته المنية، تزامن رحيله مع رحيل زياد الرحباني، العبقري الذي هزّ الساحة الفنية والثقافية، فملأت وفاته الشاشات ووسائل التواصل. أما سعيد، فمات كما تُطوى الأوراق المنسية في درج قديم: دون خبر، دون نعي، دون التفاتة.

ربما لم يكن من العدل أن يرحل سعيد في اللحظة نفسها التي ودّع فيها العالم فنانًا بمقام زيادالذي ملأت أخباره الشاشات والمنصات، فاختُزل الغياب كله في غياب واحد، وتوارى الآخر في العتمة. لكنّ من عرفوا سعيد عن قرب، يعلمون أنه لم يكن ليغضب أو يطالب بإنصاف متأخر. كان يدرك أن الاعتراف لا يأتي في حياته، ولا بعد موته. هو نفسه الذي باعني لوحة بثمن رمزي، كما لو أنه كان يسلّمني قطعة من روحه، لا ليحتفظ بها التاريخ، بل لأحتفظ بها أنا، الصديق الوحيد الذي رأى ما خلف الألوان.

تعرفت على سعيد عبرالفضاء الأزرق وتبادلنا بعض الحارات حول الفن التشكيلي وحول اعتقاله وأشياء أخرى، و باعني لوحته بثمن رمزي، . لم يساومني، لم يفاوض. فقط قال: ” خذيها، أنت تفهمينني”. كانت تلك اللوحة أقرب إلى وصية صامتة.كما لو كان يسلم قطعة من روحه، لم يكن مشغولًا أبدًا بالمجد. لم تكن لوحاته موجهة للمعارض، بل موجّهة لشخص واحد: ذاته. كانت لغته الخاصة في التحاور مع الداخل.

لوحته التي أمامي. مشبعة بالزُرقة، بقمرٍ مكتمل، كئيب ومعزول في العتمة، وبشبكة عنكبوتية كثيفة تشد جسدًا بشريًا غارقا في اللون الأحمر البني مضطربًا إلى مركزها، ، يوحي اللونبالجرح، بالعطب، بالاختناق. لكن المفارقة أن هذا العطب كان صادقًا. لم يكن يحاكي الألم، بل يعيشه بكل تفاصيله.

العنصر الأشد تكرارًا في لوحاته كان الكرسي. لا تكاد تخلو لوحة له من كرسيٍ ما: مائل، فارغ، أو وحيد. هذا الكرسي لم يكن أثاثًا، بل كان شاهدًا. سعيد الذي تعرّض للاعتقال، كان يعرف جيدًا ما يعنيه الكرسي في غرفة التحقيق: مكان للاعتراف القسري، للمواجهة القاسية مع الذات. وربما لهذا ظل الكرسي يعود في أعماله، كتذكير شخصي لا يمكن كتمه.

سعيد لم يكن رسامًا تقليديًا، بل كان محترقًا. الأزرق في لوحاته لم يكن لونًا، بل كان غرقًا. الأحمر لم يكن للزينة، بل كان جرحًا. تلك الضربات الخشنة بالفرشاة كانت صرخاته، تلك التكوينات المشوشة كانت خريطته نحو ما تبقّى من ذاته.

ما يجعل رحيله أكثر وجعًا هو هذا الصمت الذي غلفه حتى في موته. فبينما يُحتفى بفنانين قادرين على التسويق والترويج، يُنسى الفنانون الذين ينتجون من الحاجة لا من الرغبة. إن الفن الذي لا يصرخ ليُسمع، غالبًا لا يُسمع أبدًا. وهذا بالضبط ما جرى مع سعيد.

من المؤلم أن يُترك فنان مثله في الهامش، لا لأن أعماله أقل شأنًا، بل لأن العالم أصبح يفضل الفن الذي يمكن استهلاكه بسرعة، الفن الذي يشبه الوجبات الجاهزة. أما الفن الذي يحتاج تأمّلًا، زمنًا، صمتًا… فهو غالبًا لا يروق للمشهد العام.

ربما ما نحتاجه ليس فقط إعادة الاعتبار لسعيد، بل لفكرته هو عن الفن. أن نعيد النظر في الكيفية التي نُقيّم بها الفنانين. أن نُدرك أن بعض الإبداعات لا تلمع تحت الضوء، بل تشتعل في العتمة. وأن الاعتراف المتأخر، مهما كان نبيلًا، يظل مريرًا.

سعيد لم يطلب شيئًا، لكنه ترك لنا سؤالًا كبيرًا: لماذا يموت الفنانون الحقيقيون في الصمت؟ لماذا لا نُحسن الإنصات إلا حين يغيب الصوت؟

الكرسي ما زال في لوحتك، السؤال ما زال معلّقًا. والقمر لم يبارح مكانه، والشبكة لا تزال تحاصر جسدك كما كانت، لكنها الآن تحاصر ذاكرتنا نحن، نحن الذين تأخرنا عن قول كل شيء. فالفن يستمر، والإبداع لا يموت، لكن الفنانين يموتون. والأجمل أن نحتفي بهم وهم أحياء، أن نقرأ أعمالهم ونحن وإياهم نتنفس الهواء نفسه، أن نجعل من التقدير ممارسة يومية، لا مجرد طقس تأبيني متأخر.

وربما مهمتنا، نحن الذين عرفنا سعيدا أو عرفنا لوحاته، أن نحفظ صوته من الضياع، أن نمنح الكراسي الفارغة أصواتًا جديدة قبل أن تُترك للأبد.

فلمن، أو لماذا، تركتَ الكرسي فارغًا؟ ربما لنتعلم نحن كيف نملأ الكراسي الفارغة للفنانين الآخرين قبل أن يتركوها إلى الأبد

لكني عرفته. واحتفظت بلوحة له، اشتريتها منه ذات يوم بثمن رمزي. لم يساومني، لم يفاوض. فقط قال: ” خذيها، أنت تفهمينني”. كانت تلك اللوحة أقرب إلى وصية صامتة. 

لوحة مشبعة بالزُرقة، بقمرٍ مكتمل معزول في العتمة، وبشبكة عنكبوتية كثيفة تشد جسدًا بشريًا مضطربًا إلى مركزها. الجسد مرسوم بلون أحمر داكن، مائل للبني، يوحي بالجرح، بالعطب، بالاختناق.

لكن العنصر الأكثر تكرارًا في أعماله، وأكثرها إثارة للأسئلة، كان الكرسي. لا تخلو لوحة واحدة له من كرسيٍ ما: مهتز، مائل، أو بلا جالس. الكرسي عند سعيد لم يكن أداة للراحة، بل رمزًا كثيفًا، مشحونًا. كرسي الانتظار، كرسي العزلة، بل وحتى كرسي الاعتراف والاستنطاق. لقد تعرّض في حياته للاعتقال، وجلس طويلًا على كرسي التحقيق، حيث يُجبر الإنسان على التفريط بما تبقى من كرامته أو صمته. الكرسي في لوحاته شاهد، لا قطعة أثاث. بل ذاكرة مشحونة لا مرئية.

كان يرسم الكرسي أكثر مما يرسم الجالس عليه. لأنه عرف جيدًا كيف تبدو الزنازين حين تفرغ من الأمل، وكيف يبدو الجسد حين يُفرَض عليه الجلوس طويلًا تحت ضوء التحقيق. لذلك لم يكن الكرسي مكانًا ثابتًا، بل سؤالًا دائمًا.

سعيد لم يكن رسامًا محترفًا بالمعنى المتداول، بل كان محترقًا من الداخل. كل ضربة فرشاة لديه كانت صرخة مؤجلة. وكل لون، وخصوصًا الأزرق، كان محيطًا يغرق فيه كي لا يغرق في نفسه.

مؤلم أن تمر وفاة فنان مثله دون أثر. مؤلم أكثر أن يخطف موتٌ واحد كل الضوء، فيما يغرق الآخر في عتمة كاملة. لكن ربما كان سعيد يعرف، كما نعرف نحن الذين أحببناه، أن الفن الحقيقي لا يُقاس بضجيج نهايته، بل بأثره الصامت، بأولئك الذين يتوقفون طويلًا أمام لوحة واحدة، ويسمعون ما لم يُقال.

رحمك الله يا سعيد. غادرت في ظل ضجيج لا يخصك، وها أنا أكتب عنك لا ليراك الناس، بل لأراك أنت، حيث أنت الآن. الكرسي ما زال في لوحتك، والقمر لم يبارح مكانه، والشبكة لا تزال تحاصر جسدك كما كانت، لكنها الآن تحاصر ذاكرتنا نحن، نحن الذين تأخرنا عن قول كل شيء.

فلمن، أو لماذا، تركتَ الكرسي فارغًا؟

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com