تحليل سياسي لنهيق الحمير

21 أغسطس 2025
تحليل سياسي لنهيق الحمير

د. خالد زغريت

كاتب من سوريا

كان رغبة أن أكون صحفية طاغية على نفسي، ولا سيما أننا غارقة بوهم أن الصحافة مهنة الكشف عن الحقيقة، وتأريخ اللحظة. أثارني ضجيج الإعلام العربي و العالمي بمشهد جنود النظام السوري، يطلقون النار على مجموعة من الحمير حتى أبادوها، في مشهد استفزازي و لا سيما حين كانت تحاول تلك الحيوانات أن تتحاشى الرصاص من حلاوة الروح كما يقولون.  

كنت أعرف أن إعلام النظام السوري يعنى بتبرير الأفعال الهمجية لعناصر عسكره وأمنه. إلا  باتهام القنوات المغرضة بالفبركة، و أنها مسرحيات  تمثيلية أعدت لها القنوات الديكورات و المجسمات في استديوهاتها. وكل ما تنقله لا يخرج إلا عنها. إنما على الأرض العصافير تزقزق و الشمس مشرقة كما يردد كبار مسؤوليها.

 كنت أظن أن هذا الأسلوب من فعل البيروقراطية الإعلامية السورية، ولا سيما أن الكثير من المسؤولين، يقنعوننا بأن القائد شريف ونزيه ووطني، لكن بطانته الفاسدة، و قيادة الإعلام من تلك البطانة.  ولما سمعت أن السلطات الإعلامية هذه المرة نزلت من برجها العاجي،لترد على مشهد قتل الحمير، وتفسيره. ظننت أنها من توجيهات القائد، لأنه سمع بها،وهذا دليل على أنه لا يقبل الخطأ. تحمست جداً لأحضر الندوة الحورية التي ستقام للكشف  عن  الفبركة الإعلامية لهذا المشهد.

 .  عرفت ذلك من خالتي، و أن الندوة ستعقد في مكتبها، لذلك تأهبت لحضورها بمعيتها. أما خالتي  هذه فكانت طيبة وقاسية، لكن حظها أسود.. كل ما فيها يُمثّل الاتجاه المعاكس، شكلها أشبه بالحمامة الوديعة لكن “جدتي زعفرانة” أسمتها “عروبة  ” وكانت طافحة الأنوثة، رقيقة، أجمل ما تكون مذيعة تلفزيونية جذابة، لكن جدي “بعثي  ” أجبرها على التطوع في الشرطة،  فتحولت من أنثى رقيقة إلى ذئب كاكي.  وكانت تقول: لو لم أحول أنوثتي وجمالي إلى أظافر ومخالب، لكان الإداريون و المدربون البعثيون افترسوني، وكان حظها أسود كذلك، في زواجها فبعد أن تهالك على خطبتها زينة الشبان من ذوي المناصب والشهادات المحترمة، تزوجت مدربها حينها. وأكثر ما أثار الذهول عند أصدقاء خالتي ” عروبة” وأقربائها قبولها به، وهو   الذي لا يمكن لشيء أن يحبه، فظله يشمئزّ من فظاظته، لكن بَطُل عجبي عندما عرفت أنه زواج، حيث تمكن من افتراسها، في أروقة باريس حين ذهبوا لاستلام صفقة، وبعد أن تزوجا بقي يعاملها  بريبة وشك وغيرة، فالإنسان يشك أن ما بنفسه هو بنفس الآخرين، لذلك حين ترقت، وهو ترقى إلى نقلها إلى مقر عمله، وجعلها ضابطة عمليات الإعلام.

    دخلت مكتبها في الموعد المحدد لحضور مستشارة القائد استقبلتني  خالتي مرحبة، وأدخلتني مكتب زوجها الذي يشبه حصناً منيعاً.. تفاجأت بحرارة استقبال زوجها، وقف ومد يده أمسك بيدي بقوة،  وراح ينهشني بنظراته، وقال: أهلاً بصحفيّة المستقبل، أنت تخرجي في الكلية، وسيكون كل الإعلام تحت ” كندرتك”.. لماذا ننتظر حتى تتخرجي.. اختاري أي محطة، أو صحيفة و  بطرفة أعينك رئيستها. كل هذا الفيض علي ومازال يمسك بيدي، أُحرجتُ.. نظرتُ إلى خالتي لعلها تنقذني رأيتها تنظر إلى قدمها باحتقار، ولم يفلت يدي حتى دخلت السكرتيرة، وقالت:  عفواً سيدي، المستشارة   وصلت.. ردد بقسوة : ولك  “…. “. كأنك جئت قبل الموعد..  ردت: سيدي هي التي وصلت قبل الموعد.. خرج زوج خالتي كالثور الملدوغ  لاستقبال المستشارة  يتمسح بحدائها معتذراً عن سوء الاستقبال. 

دخلت المستشارة بطاوسية ملكة بريطانيا، أما أنا كل ما يهمني أنني بت أحس أن قلبي ليس مندساً عليّ  وفي نفسي سؤال للمستشارة : هل حقاً خلصت… قطعت سلسلة هواجسي  طلة  المستشارة،  وزوج خالتي  منحنياً   وهو يردد: تحياتي تحياتي سيدتنا.. هات يدك والله لأتبارك بتقبيلها، قبلها ووضعها على رأسه، ردت سيادتها :أهلاً أهلاً، اقعد،  أدخل الدكاترة المحللين، طبعاً هو كان يجلس ثلة من الأكاديميين في الغرفة المجاورة،أكيد ستبيّضها المرة، أريدك أن تأتي بمحللين يفضحون مخططات الإرهاب.. فهمان ولك أستاذ “جحش” تفاجأت أن تخاطب زوج خالتي بهذه اللغة.. صعقت من أدبيات إعلامنا، فظننت أنني في حلم، وتساءلت : هل القائد يعرف أن هذه أدبيات إعلامه ومسؤوليه؟؟؟.  كان هناك صوت في داخلي يوخزني، كفاك كذباً على نفسك، هذه أدبيات القائد بذاته، ألا يرى كل هذه الجرائم التي يرتكبها أمنه وعسكره، ألم يسخر من البراميل المتفجرة ويقول : نحن لدينا سلاح لا طناجر؟؟؟

 دخل سرب من البشر، طلب منهم زوج خالتي أن يلقوا التحية على السيدة من غير مصافحة.

 طلبت السيدة منهم الجلوس، ثم قالت : مهمتكم أن تدوسوا على ذنب محللي المعارضة  “وتخلّيهم  يمؤون  مثل القطط السكرانة، عليك أن تفتعلوا المشاجرة في الحوارات و ترفسوهم، وتكسروا الاستديوهات .. ترى أنا اتفقت مع واحد أردني  اسمه…  والله هذا أستاذ فهمان والله سيطق رقاب كل العملاء و القمرجية ” يعني المتآمرين.. وبعده سأجلب شلة حكواتية من مصر و العراق… لكن ياعيب الشوم.. أنا الذي يطيّر عقلي كل منكم  قد البغل،   لماذا لا يخرسهم  لا أعرف، أستاذ جحش لا  يحمق بسرعة  ويطيش حجره  بسرعة  “يذبّن( يذبّن) : تعني : أن الذباب يقرص البغل، فيضطر إلى الرفس وتحرق ذنبه لذب الذباب عنه). رد  زوج خالتي  : سيادتك تعرفين أننا خدامو كندرتك،لكن الحال ضيقة، وعملنا يحتاج إلى اتصالات و بروفات وووو.  قاطعته قائلة : الله لا يشبعك .. خصصنا لك  راتباً شهرياً خمسين ألف دولار،  وكل طلة تعطيك قناة ال…  مئة ألف دولار، ولك كذلك  مكافآت شهرية من أين صرفتها: يعني اشتريت بها علفاً  والله تحتاج إلى طن تبن وشعير وكسبة! ما الذي يشبع كرشك؟! هو قد حاوية زبالة، ولك ؟؟؟  كثير عليك أن تكون دباً قطبياً في سيرك النَّوَر.. جحش ولك ثم  ضحكت بقهقهة.

    جرّأتني ضحكتها أن أسألها: هل كل المعارضة “حمير” ؟؟ ضحكت: لو لم يكونوا “حميراً ” ما كنا لنحتاج إلى هذا الكر مشيرة إلى زوج خالتي.. ثم ضحك قائلة : ظننته ينهق.

  اغتنمت أجواء ضحكها، وسألتها : هل  انتصرنا؟؟؟؟؟ تنحنحت، ثم فلت لسانها.. الحمير في أفغانستان كانت سكرانة، لأنها مدمنة على حشيشة الكيف؛ لأن المهربين كانوا يروّضون الحمير، ويجعلونها تدمن، كما لاحظت أن كل حمار عليه “سرج طويل “جِلال” باللهجة المحلية، وهذه عادة الطالبان بتطويل اللباس، ثم لاحظت أن آذان الحمير كلها مشرئبة إلى الأعلى، بعمرك رأيت حماراً  تنتصب أذنيه. هل عرفت لماذا؛ لأن الحمير بأفغانستان اعتادت، وألفت صوت الرصاص الأمريكي، فهي لا تخاف منه.

    لو كانت الحمير  من عندنا  لما استطاعت أن تنتصب أذناها، فهي ستخاف، ثم ألم تلاحظ  لون وبرها.    معروف منذ التاريخ القديم أن الحمير العربية نضرة الألوان فهي شبعانة أما في أفغانستان فهي هزيلة من جوعها.

  ثم تابعت : ولك عيب علينا قدام الرأي العام أن تكون المعارضة كلها ” كررة” وعندنا كل هذه الحمير، لا يجوز أن يكون كل الشعب أكبر من قيادة المستقبل ، هذا تطوير نريد جيلاً جديداً، دماء جديدة، لا نريد حميراً، ضحكت وبكيت، نظرت إلى خالتي  كانت تبكي بمرارة أخرجتني، وعرفتْ كم ندمت على مهنتي قطعت حديثنا سلسلة انفجارات..  قلت زفاف النصر ضحكت خالتي، وقالت: خلصت والخلود للقائد الضرورة. أيعقل أننا أضعنا كل عمرنا نحمل أسفاراً ولا نعرف أننا كنا حميراً. بكت خالتي، وبكيت ورحنا كالمجانين نردد: مكتوب على أعلامنا الله يلعن خواننا ……….. لقد تم  تحليل مشهد قتل الحمير  بنهيق الإعلام الوطني … 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com