المواطنة… حيث يتقاطع الانتماء بالعدالة وتزدهر الإنسانية
أ.د أحمد محمد القزعل
المواطنة لا تعني مجرّد حمل بطاقة تعريف أو التلويح براية الوطن، بل هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، عمادها المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعيّة وحرية الفكر والتعبير، والنهوض بالعلم والبحث الذي يُنتج تنمية لا تُبنى على الثروات والحديد، بل على الإنسان ذاته؛ لأنه الثروة الكبرى.
وها هي الأحداث العالميّة المتلاحقة تُذكّرنا كلّ يوم بضرورة إحياء مفهوم المواطنة، لا بوصفه شعاراً في خطاب سياسي، بل كعقد اجتماعي يُذيب الفوارق ويُعلي قيم التعايش، ويعيد ترتيب أولويات الأمم على أساس الوحدة لا الفرقة، والإنسان لا الطائفة، فبالمواطنة تُبنى الأوطان ويُرسم مستقبلٌ تتعانق فيه الهويّات بدل أن تتناحر، وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء وجدنا أن المواطنة وُلدت مع المجتمع الإنساني ذاته، حين ترك الإنسان عزلته في الغابات والكهوف ليستقر على ضفاف الأنهار وفي حواضن الزراعة والصيد، وقد كان المواطن آنذاك هو الفرد المنتمي إلى جماعته وله حقوق مثلما عليه واجبات تفرضها الحاجة إلى الأمن والبقاء.
غير أن المفهوم ظلّ بدائيّاً حتى بزغ فجر عصر التنوير، حين جاء فلاسفة كـ هوبز ولوك وروسو ومونتسكيو، ليصوغوا فكرة جديدة للمواطنة تقوم على ” العقد الاجتماعي ” بين الفرد والدولة، ولم يعد المواطن مُلحقاً بجماعة أو تابعاً لسلطان، بل ذاتاً مستقلة لها كيانها وحقوقها وكرامتها، يحكمها القانون الذي يقف الجميع تحته سواسية، وحين قامت الدولة الإسلامية، لم تكن المواطنة عندها صدى لفكر غربي، بل واقعاً راسخاً يستند إلى القيم القرآنية والسنّة النبويّة، فالإسلام لم يُجز التمييز بين المسلم وغير المسلم في الحقوق الإنسانيّة، بل أقرّ للجميع حقّ الإقامة والكرامة والحرية الدينية ما داموا يعيشون في كنف الدولة الإسلاميّة، ولقد عاش أهل الذمّة في ظلّ الخلافة الإسلامية وتمتعوا بحقوق لم تحلم بها أقليات كثيرة في بلاد الغرب المسيحي آنذاك، ويقول المؤرّخ ” ول ديورانت “: ” لقد كان أهل الذمة يستمتعون في عهد الخلافة بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام “، أما المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه فذهلت حين رأت أن الإسلام لم يُكره أحداً على الدخول فيه، فكتبت: ” أوليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى ؟ “، ولعل بقاء أماكن العبادة لغير المسلمين على مدى قرون في بلاد الإسلام كالأندلس ومصر وبلاد الشام هو أبلغ شاهد على أن المواطنة في الإسلام لم تكن موسمية ولا ظرفية، بل قيمة مبدئية متجذّرة في وعي الأمة.
لكنّ بعض الأصوات اليوم تُنكر هذا التاريخ، وتتّهم الإسلام جزافاً بأنه لم يُنصف غير المسلمين، وهنا لا بدّ أن يُقال: إنّ دراسة التاريخ لا تعني تشكيله على هوانا، بل قراءته كما كان بكلّ نُبله وعثراته، فالمواطنة قبل أن تكون انتماءً قانونياً، هي شعور ومسؤولية وهي تفاهُم يُفضي إلى تعايش وأمان وليست صراعاً يُنهي حياة الإنسان بالتغريب والإقصاء.
ليست المواطنة مجرّد فكرة سياسيّة بل هي وجدان حيّ يربط الإنسان بأرضه وأخيه ومجتمعه، هي نداء عقل وإنصاف، يُنبّهنا إلى أننا لا نبني الأوطان بالعزف على أوتار الفرقة، بل بتوحيد اللحن الوطني وإن اختلفت الآلات، وفي عالم يتغير كل يوم ويواجه تحديات لا تُحصى، تظلّ المواطنة هي الركيزة التي نحتمي بها ونصوغ من خلالها مستقبلاً أكثر عدلاً وإنسانيّة وتماسكاً… على أرض واحدة، لوطن واحد، يجمعنا بقلب واحد وإن اختلفت العقول.

















































عذراً التعليقات مغلقة