السُّنة .. السُّنة .. بين النص والكرامة

20 أغسطس 2025
السُّنة .. السُّنة .. بين النص والكرامة

د.احمد الرفاعي 

لم يعد المشهد السني في العراق شبيهاً بما كان عليه قبل عقود؛ فالمذاهب الفقهية التي ملأت بغداد والموصل وسامراء والفلوجة بمدارسها وحلقاتها العلمية، من الحنفية والشافعية وصولاً إلى المالكية والحنابلة، تراجعت تدريجياً إلى الهامش، بينما تقدمت تيارات جديدة تحمل خطاباً أكثر صخباً وتأثيراً. فبين سلفية رفعت شعار “العودة إلى النص” بلا تمذهب، وصوفية كزنزانية أغرت الناس بالكرامات والبركات، وبين إخوان مسلمين تمددوا سياسياً عبر الحزب الإسلامي ثم فقدوا زمام المبادرة، وحركة إحسان رديفة لهم حاولت أن تسد الفراغ، بدا وكأن المذاهب التاريخية قد خرجت من ساحة الفعل اليومي، لتبقى مجرد نصوص محفوظة في الكتب والمناهج.

لم يكن دخول السلفية إلى العراق حدثاً عابراً؛ فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تسلل خطابها مع الانفتاح على الخليج، لكنه ظل محدود الأثر حتى جاءت التسعينيات، حين فتحت الحروب والحصار الباب أمام شباب يبحثون عن يقين جديد. بعد 2003، ومع انهيار الدولة وصعود الجماعات المسلحة، تمدد التيار السلفي بقوة، وسيطر على منابر ومساجد كثيرة؛ مدعوماً بمال وفير وإعلام نشط؛ ليحمل خطاباً يجرّد المذاهب من شرعيتها، ويضع الفقهاء في خانة “البدعة”، وفي الجهة الأخرى؛ تمددت الطريقة الكزنزانية من السليمانية إلى بغداد ومدن الجنوب؛ لتقدم نفسها ملاذاً روحياً في زمن القلق والانكسار؛ تجذب العامة بوعود دفع البلاء وكشف الكروب؛ وتحوّلت شيئاً فشيئاً إلى مؤسسة اجتماعية وسياسية نافذة تتجاوز دور الفقهاء التقليديين.

الإخوان المسلمون الذين كانوا لعقود القوة الأكثر تنظيماً في الجامعات والنقابات؛ وجدوا فرصتهم السياسية بعد 2003 عبر الحزب الإسلامي العراقي؛ لكن اندماجهم في لعبة السلطة أفقدهم الكثير من رصيدهم الشعبي والدعوي، ومع تراجعهم؛ ظهرت حركة الإحسان كذراع رديف؛ تحاول أن تجمع شتات الخطاب الإسلامي السني؛ لكنها وُلدت مثقلة بالانقسامات ولم تستطع أن تقدم بديلاً مقنعاً؛ فانتهى بها المطاف إلى الدوران في فلك السياسة أكثر من رعاية المذاهب أو إعادة الاعتبار للفقه.

أما المؤسسات الرسمية؛ فقد بقيت جزءاً من المشكلة أكثر من كونها حلاً، ديوان الوقف السني انشغل بصراعات النفوذ والإدارة؛ وفقد استقلاليته التي تؤهله لحماية المرجعيات الفقهية. المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء بقي صوتاً نخبوياً محدود الأثر؛ ومجلس علماء العراق انخرط في خطابات سياسية وانقسامات داخلية جعلته بعيداً عن هموم الشارع. ومع تراجع هذه المؤسسات؛ تكاثر عدد الجمعيات والمنابر والحركات بعد 2003؛ بعضها رفع شعار الدعوة؛ وأخرى دخلت معترك السياسة؛ وبعضها حمل السلاح؛ لكنها جميعاً زادت من حالة التشظي والارتباك في الساحة السنية.

اليوم، إذا سألنا شاباً في بغداد أو الرمادي عن مذهبه الفقهي، فربما يتردد أو لا يعرف، لأن المذاهب لم تعد المرجعية الحية التي تُوجّه حياته. بين نصوص سلفية صارمة لا تعترف بالتمذهب، وكرامات صوفية تستدرج الناس بعيداً عن الفقه، وإخوان فقدوا حضورهم، وحركات لم تستطع أن تبني بديلاً، ومؤسسات رسمية مشغولة بصراعاتها، يبدو أن المذاهب السنية في العراق لم تُسرق بقدر ما أُقصيت وأُهملت، حتى غدت صدى بعيداً في ذاكرة بلد كان يوما منارة للفقه.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com