الأشخاص عابرون و الحزب باق.. والغضب رياح عاتية تطفئ مصباح الحكمة
مصطفى عجاب
سياسي وحقوقي من المغرب
كتب القيادي والحقوقي المغربي، مصطفى عجاب بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: “الغضب هو رياح عاتية تطفئ مصباح الحكمة” وأن ” الغضب نار تحرق نفسها أولا” على رأي مولانا جلال الدين الرومي.
وقال عجاب في رد على انتقادات غاضبة من قبل الكاتبة ميمونة الحاج داهي، ان حزب الاتحاد الاشتراكي كيان مؤسسي جماعي لا يُختزل في أفراد أو صراعات عابرة. وقال عجاب ” علّمني الايمان بالمقولة الشهيرة التي تنسب للفيلسوف فولتير “أنا لا أتفق مع ما تقول، ولكنني سأدافع عن حقك في قول ذلك حتى الموت”
وفيما يلي مقال السياسي والحقوقي مصطفى عجاب.
وحق الرد مكفول بصحيفة قريش
الغاضبة منا… سلاما
سيدتي:
أتابع تدويناتك بما تحفل به من متانة اللّغة، ومن تعبير عن آراء جديرة بالقراءة والتأمل، جعلني أتفاعل معك أحيانا واتحفظ أحياناً أخرى.. واليوم استسمحك، سيدتي، أن أعلق على غضبك منّا.. غضباً جعلك تختزلين الاتحاد الاشتراكي في “گيطو” يوجد على رأسه ” نيرون جديد”، يحرق الاتحاد وهو يعزف على الكمان، يحيط به خلق من بني البشر يطعمهم كل صباح ” شطبة من القات” تجعلهم فاقدي البصر والبصيرة، ويهتفون باسمه في مهرجانات يؤتثها أشباح مؤدى لهم، ويستعملهم لكي يترصد أبواب ذوي الشأن ليشحذ لنفسه ومواليه مواقع بكل خنوع وإذلال، بعد ان أغلق أبواب الحزب دون « الكفاءات » ممن يملكن، ويملكون، حسبك، رجاحة العقل، وسعة الفكر، ونزاهة الضمير، وجرأة حفظ ذاكرة الاتحاد وقيادته نحو أرحب الآفاق..
هكذا وضعت للاتحاد “بورتريه” خلفيته الضغينة، وألوانه مزيجا من تعلق بصحبة، ودفاع عن عشائرية، وكره بلا وازع او مبرر.
ولأنني من أبناء هذا الإتحاد منذ مرحلة الشباب الأولى وإلى أن ولجت الستين، وعلى مدى قرابة خمسين سنة، أستطيع أن أدعي أنني أعرف هذا الحزب، الذي علّمني الايمان بالمقولة الشهيرة التي تنسب للفيلسوف فولتير “أنا لا اتفق مع ما تقول، ولكنني سأدافع عن حقك في قول ذلك حتى الموت”؛ استسمحك في أن أرسم لك “بورتريه” من الداخل، أكثر قرباً من حقيقة الاتحاد الاشتراكي على ذلك الذي رسمته أنت من الخارج:
– الاتحاد الاشتراكي يا سيدتي، حزب مغربي، يعتبر امتداداً لحركة التحرير الشعبية، حمل على عاتقه مشروعا للإصلاح، ينبني على الاختيار الديمقراطي وسيلة وهدفا، منذ ان قطع بداية السبعينات من القرن الماضي مع الأساليب البلانكية المغامرة، وهو خيار تطور عبر الخمسين سنة مع تحولات المجتمع والمحيط، من عبد الرحيم بوعبيد، إلى عبد الرحمان اليوسفي، إلى سي محمد اليازغي، إلى سي عبد الواحد الراضي، وإلى الاستاذ ادريس لشكر قائده اليوم..
– لقد أكد كل هؤلاء القادة الاتحاديين في كل مرة، أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، عند تحليلهم وملامستهم للواقع، وواصلوا حمل مشعل الإصلاح، الذي تتغير شعاراته ومرتكزاته بين مرحلة وأخرى.
– لقد واجه الاتحاد، مع كل قادته المذكورين، الأموات منهم والأحياء، محاولات لقيادة الحزب من الخارج، جعلت القائد الكبير عبد الرحيم، يشبه الاتحاد بالقطار الذي لا يتوقف عن المسير، وفي كل محطة ينزل البعض ويستقل القطار آخرون، وهو ايضا من رفع شعار ” ارض الله واسعة”، وأكده بعده المجاهد الكبير سي عبد الرحمان اليوسفي في مواجهة من اعتبروا قبوله قيادة التناوب التوافقي خيانة لمبادئ وقيم الحزب، وتنكرا لدماء الشهداء. ومنهم اليوم، وا أسفاه، من لا يجدون غضاضة في ادعاء التقدير والوفاء لروحه.
– إن الاتحاد اليوم، وكما كان دوما، متمسك بالنضال المتواصل من أجل مزيد من الإصلاحات، وهو منخرط، بدون تردد أو مواربة، في الأوراش الكبرى التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس بحكمة وتبصر، وبحكم موقع المعارضة المسؤولة، ينبه بحرص شديد على أن تأخذ هذه الاوراش بعدها في مصلحة المغاربة، وتحقيق التراكمات الضرورية لتنمية شاملة ومستدامة.
– عندما فتح العاهل المغربي الملك محمد السادس ورش النموذج التنموي الجديد، وكان حزبنا من الداعين الأوائل له، كان شعار مذكرتنا ” من أجل دولة قوية وعادلة ومجتمع حداثي متضامن”، كثفنا فيه مشروعنا الاشتراكي الديمقراطي، الذي جعلنا من التراكمات التي انجزها حزبنا نبراسا اهتدينا به.
– أما عن المغضوب -منه من طرفك، قائدنا الأستاذ ادريس لشكر، ونقاسمه غضبك بلا تردد، فإننا عشرات الاف الاتحاديات والاتحاديين، نشعر معه بكثير من الطمأنينة على حزبنا ؛ حاضراً ومستقبلاً، قيما ووفاء، مبادئا واختيارات.. لأنه يعرفنا ونعرفه، ويقودنا بنفس حكمة وتبصر من ورث المهمة عنهم، زعيماً سياسياً ينتج المبادرات، ويصيغ شعارات عميقة للمرحلة، ويستمع بنضج لنبض المجتمع، ونشهد له بقدرته اللا تضاهى في تحمّل أعباء التنقل شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، لضخ دماء جديدة في الحزب. وفي عبور قارات المعمور دفاعاً عن المغرب وعن القرار الفلسطيني المستقل وحق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة ووقف العدوان الغاشم والتطهير العرقي الذي يتعرض له، ومكن حزبنا من مواقع متقدمة في المنتديات الدولية التي ورثنا العضوية فيها أو التي انخرطنا فيها.
– وعندما قرّر الاتحاد نقل ملتمس الرقابة إلى ملتمس رقابة شعبي، استطاع كاتبنا الأول أن يعبر عن مطالب المغاربة في العدالة المجالية، وفي العدالة الاجتماعية، وفي الدعوة إلى جبهة وطنية لحماية أصوات المغاربة، والمطالبة بفتح الحوار بشأن إعداد الاستحقاقات القادمة.
– وإلى ذلك، نعرف ادريس لشكر الإنسان، الشغوف بقراءة أروع ما أنتجه الأدب الإنساني العالمي، حريصاً على الحضور في أفراح وأتراح الاتحاديات والاتحاديين، ويبكي على فراق من عجل القدر برحيلهم كما تبكيهم أسرهم الصّغيرة، بيته بيت مفتوح لجميع الاتحاديات والاتحاديين، يقاسمون أسرته الصغيرة مائدة الطّعام، بمن فيهم بعض ممن يكيلون له السباب والشتائم، من غير من ولا أدى، وتحس بكونك في بيتك وسط أسرتك.. ما جعلنا نتواضع على تسمية بيته ” بيت الاتحاد”.
– أضيف لمعلوماتك، أن كاتبنا الأول، ليس ممن يتمسكون برأيهم، يطرح المواضيع للمناقشة دون قيود أو شروط، يستمع لكلّ الآراء، قبل أن يستخلص ما توافق واقتنع به الجميع، وقليلاً ما اعتمدنا مبدأ الأغلبية.
– بقيت نقطة أخيرة، وهي مربط الفرس في كل نقاش حول الاتحاد الاشتراكي، كون الإتحاد حزباً من أحزاب الكون، والحزب كما لا يخفى أنتجه الفكر الإنساني الغربي وطوره فلاسفة الأنوار، ثم توافقت البشرية التي تعتمد مبادئ الحكم الديمقراطي، على أن الحزب هو بنية تقوم على توافق بين مواطنات ومواطنين رشداء، يتأسّس على قيم ومبادئ ومشروع، وينهض على أعضاء منتسبين للحزب، تحكمهم قوانين وأنظمة، ويتحمّلون تكاليف وأعباء الحزب، ويشتغلون في تنظيماته، ويعملون على تنمية عضويته وتقوية صفوفه، ويناصرون مرشحيه، ويخضعون لقرارات هيئاته وأجهزته. لذلك فإن الاتحاديين والاتحاديات الأعضاء في الحزب، وهم بعشرات الألاف، من يحق لهم التّقرير في حاضره ومستقبله، وهم جميعاً متمسّكون بقائدهم بوعي وتبصر وبصيرة.
أمّا من ينصبون أنفسهم قادة ومناضلين في العالم الافتراضي، فإن منطق الحزب عندنا وعند غيرنا في العالم الديمقراطي الفسيح، ليس لهم الحق سوى أن ينصبوا ما عنَّ لهم من زعامات في نفس ذلك العالم الافتراضي. وعرضا أشير إلى أن منطق القبيلة لا علاقة له بمنطق الحزب.
– وختماً، فإن “الكفاءات” التي تغمزين إلى أنها قادرة على أن تصنع من الإتحاد حزباً آخر بالأعضاء الافتراضيين الذين تعتبرينهم مقصيين وغاضبين، فإنّنا نعرف قدراتهم وكفاءاتهم، وبدافع الأخوة والإنسانية، ننصحهم أن يجمعوا شتاتهم، ومعهم ممتهني الفتاوى في حق الإتحاد، ويؤسّسوا لأنفسهم هذا الحزب القادر على صنع المعجزات في أرض الله الواسعة..
– أما عن الإتحاديين الغاضبين، فقد درج الإتحاديون الحقيقيون لحظة غضبهم على التزام قواعد المروءة وسمو الخلق، ما يجعلهم يحفظون ألسنتهم عن سب حزبهم أو مناهضته او النيل منه، لأنّهم يؤمنون بقدسية المشروع وبالإرث المشترك. يقيناً منهم أن الأشخاص عابرون وأن الحزب باق.
وفي النهاية فإن ” الغضب هو رياح عاتية تطفئ مصباح الحكمة” وأن ” الغضب نار تحرق نفسها أولا” على رأي مولانا جلال الدين الرومي.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن
















































عذراً التعليقات مغلقة