عبد الحميد جماهري
إعلامي ومحلل سياسي من المغرب
لا أحتاج إلى التذكير بأن المشكلة بين ابتسام لشكر، التي كتبت ما كتبت عن الذات الإلهية، هي مشكلة بينها وبين القانون، لا غرو في ذلك.
وما كان لي أن أكتب ما سأكتبه لو أن القضية بقيت في هاته الحدود ولم تنتقل إلى … الضفة الأخرى من المشكلة، أي ربطها بحرية التعبير وحرية المعتقد.
ولولا أن أسماء بعينها، لها باعها في طول الحقوق الإنسانية، دخلت المعترك.
لهذا، وبدون ادعاء، أعتقد بأن الزاوية التي تستوجب المعالجة هي في طرح السؤال: هل ما أوقعت فيه« ابتسام» نفسها يدخل في حرية التعبير والمعتقد؟
وأول السؤال هنا هو: هل تؤمن السيدة أو الآنسة ابتسام، التي عبرت بحرية عما أرادت هي بإرادتها طبعا كما هو تعريف الحرية..(جان بول سارتر يقول بأن الإنسان حر. دوما حتى في اختيار عبوديته!) ، هل تؤمن بالإله الذي اختارت له من الأوصاف ما هو منزه عنه، ونزه هو نفسه عنه ىإرادته هو.. لا بإرادة غيره؟
الجواب هو:كلا.. هي عرفت نفسها دوما بأنها «ملحدة»، أي لا تؤمن بمن قدحت في ذاته ومستها. وعليه فإن أمر ما كتبته على «تي شيرتها» لا يتعلق بتعبير عن قناعة ( بوجوده أو بعدمه).، وإلا سنكون ندافع عن حرية شخص في التعبير عن شيء لا يؤمن به.
ومن هذا الباب، وفي ضرورة تحرير الحرية من أوهام الإيديولوجيا والنزعات الصبيانية و”الستريبتيز” المنهجي، نقول :سنكون أول شعب يدافع عن حرية التعبير عن شيء …. لا يؤمن به من ندافع عنه!!!
والخلاصة هنا هي ” هذا الخطاب، شاءت صاحبته أو أبت، موجه للذين يؤمنون بالإله الذي وصفته بما لا يقبله المؤمنون “.
وحين نعيد السؤال الأول: لثاني مرة :ألا تؤمن السيدة بالإله الوارد في تعبيرها؟
طبعا ذلك ما يتأكد من خلال قولها، وهي هنا، في الاستناد الثاني : تصف بالوصف المشين من لا وجود له في اعتقادها !
والمنطق يدعونا إلى السؤال مجددا: إنها إذن تكتب نعتا قدحيا في حق العدم.. العدم شاذ؟
ومن ثمة يسهل الاستنتاج مرة أخرى أن هذه العبثية السوريالية موجهة حرابها إلى الذين يؤمنون بالإله، وهو اعتداء على المواطنين الذين لهم عقيدة توقير للمعبود الإله.
وإذا افترضنا من خلال التركيب اللغوي أنها تؤمن بالله، ضمنيا !كما ذهب إلى ذلك بعض المدافعين عنها، من خلال منطق فيلولوجي(فقه اللغة) معزول، فإن الاستنتاج، هو جوابه هو نفسه تعالى (وقد قال:مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا )..
كما أن الاستنتاج الثاني، وهو الأكثر انسجاما مع ما أعلنته حقا، أنها تتناقض مع نفسها من حيث إعلان الإلحاد عمليا وبراحا، في حين توحي اللغة في الجملة التي نشرتها على تي شورت … بإيمان ضمني بالإله الموجود!
بالنسبة للمدافعين اللامشروطين عن الحرية في التعبير بإطلاقه ولا شرطيته، يمكن أن نجد بعض الآثار من تاريخ الصك الحقوقي ؟ ذلك أن مبدأ حرية التعبير قد تأسس في جزء منه، في الجيل الأول للحقوق ضد.. الدين والتدين، على اعتبار أن سلطة الدين كما مارسها الكهنوت، كانت تعدم حرية الإنسان والإنسان وإنسانية الإنسان، وكانت تمارس تمامية integrisme قاتلة وأصولية fondamentalisme عادمة. وكان التدين طريقا في الاضطهاد..
حماية الإنسان وحياته بحد ذاتها ديانة، ولعلنا كنا نردد بكثير من الحبور مع بول إيلوار وهو يتشبَّب بعيون «إلزا: »”لقد آن الأوان لإقامة دين الحب»”.
ومنذ ذلك الوقت بدأت تتربى تلك النزعة للإفراط في هاته العقيدة الجديدة الجميلة الإنسانية الصنع!
ورويدا رويدا بدأت تتشكل طبقة« أرستقراطية حُماة الحرية»( التعبير الشهير للفيلسوف Guy Haarscher غي هارشر المتخصص في فكر كارل ماركس وجورج لوكاش ..) ولو كان ذلك على حساب ملايين من البروليتاريا الدينية، الذين يلاقون القتل والتحريض على التسفيه باسم الحرية نفسها!
لا بد من التركيز على أن للحرية أيضا أخلاق لا تعني الإباحية والتحرر من أي شعور إنساني. بل يمكن القول إن حرية التعبير والاقتصاد، في الجيل الثاني من حقوق الإنسان وكما بدأت المواثيق الدولية والدساتير تنص عليها، تتأسس… مع الدين وليس ضده!
ويكفي أن ننظر إلى الإنتاج الإنساني ضد الدينوفوبيا، سواء كان إسلاموفوبيا أو لا سامية أو فوبيا دينية أخرى.. وتعالت راية الدفاع عن التسامح وحماية المجموعات الدينية في عقيدتها وفي حرية ممارسة هاته العقيدة، وتناسلت القوانين التي تحرم المس بالمقدسات الدينية والمعتقدات…
وفي حالة المتدينين، ذلك أن الحفاظ على سلامة الكائن لا تقف، في التعريف الحالي، عند سلامته الجسدية، كما هي منصوص عليها في الميثاق العالمي أو في منظومة الحقوق، بل إن السلامة العقدية جزء من ذاته وكيانه.
إن الدين بكل أركانه امتداد جسدي وروحي لأصحابه. وبالتالي فإن المس بالمعتقد هو مس بالكينونة فيزيقيا وجسديا.. ولا مبرر أن تتم الحرية الفردية للملحد أو المنكر أو الحاكم النخبوي أو القبيلة المتطرفة… والمفارقة عظيمة هنا إذا كنا لا نقبل بأن تصدر الأغلبية الساحقة حكمها بعقاب الفرد المنفرد أو المتميز أو الرافض للفكرة الجماعية، هل نقبل بأن يشهر الفرد حريته عدوانا على هاته الأغلبية الساحقة؟
أبدا، لا!
والتدين الذي لم يكن العديد من الاستقراطيين حماة الحرية الحاليين يعتبرونه حرية بقدر ما كانوا يعتبرونه … قيدا وإذلالا وأفيونا وطريقة في الاستعباد… إلخ، أصبح جزءا من الترسانة الحقوقية التي لا غبار عليها بقدر ما إن التكفير والترهيب أو الإرهاب الذي صدر باسمه مجرم وغير مقبول فلسفيا وأخلاقيا.. وحتى دينيا!
للحرية أخلاقها. ولحرية التعبير أخلاق أكثر تشددا، لأن سوء استعمالها سيزيد من بؤس العالم بشكل أكبر. كما للمسؤولية أخلاقها..
ولطالما كان من السهل تعطيل الحرية لفائدة المسؤولية:كما حدث في أيام كورونا، حيث إن بيانا للهيئة الطبية لم يتردد في تعويض الحرية بالمسؤولية في شعار الجمهورية!
ولطالما كان الموضوع حاضرا في السجال الفلسفي الحقوقي: هل يستحق الحرية من لا يحسن استعمالها؟..
الحرية يلزمها حاضنة تَقيها، وتنعشها وتجبرها، وهي حاضنة قيمية على رأسها المسؤولية، ثم اللياقة الإنسانية والاحترام..وبه الحرية والمسؤولية،و…السلام!
المقال خاص لصحيفة قريش – لندن

















































عذراً التعليقات مغلقة