مغرب 2030: دبلوماسية قانونية جديدة في نظام عالمي مضطرب
نجلاء مرون
باحثة من المغرب في القانون العام
شهدت العاصمة المغربية الرباط يوم 24 آب / أغسطس 2025 حدثا دوليا بارزا تمثل في احتضان الدورة الثانية والثمانين لمعهد القانون الدولي، وهو أحد أعرق الفضاءات الفكرية والقانونية في العالم منذ تأسيسه سنة 1873، ويكتسي هذا الحدث رمزية خاصة لكونه يعيد إفريقيا إلى صلب النقاشات الكونية بعد مرور ما يقارب أربعة عقود على آخر دورة انعقدت في القاهرة سنة 1987، إن اختيار الرباط لاحتضان هذا المحفل يعكس ما باتت تمثله من عاصمة للحوار الدبلوماسي والفكري، وجسر بين الشمال والجنوب وبين إفريقيا والعالم.
جاء هذا اللقاء في ظرفية عالمية دقيقة، فقد اهتزت موازين القوى وتراجعت المرجعيات التي حكمت النظام الدولي لعقود، وأعادت الحرب في أوكرانيا شبح المواجهة بين القوى الكبرى كما كشفت الأزمات الممتدة من الشرق الأوسط إلى الساحل الإفريقي حدود التدخلات العسكرية في معالجة النزاعات، وإلى جانب ذلك فرضت الأوبئة والتغير المناخي والتحولات التكنولوجية تحديات غير تقليدية على الأمن والاستقرار العالميين، هذه التطورات أظهرت أن القانون الدولي الذي وضع لضبط العلاقات بين الدول بات عرضة لضغوط متزايدة أدت إلى تراجع فعاليته في أكثر من محطة.
في هذا السياق وجه الملك محمد السادس رسالة إلى المشاركين، وقد تضمنت قراءة دقيقة للتحولات الراهنة وتشخيصا صريحا لوضعية القانون الدولي.
وأكد أن هذا القانون أصبح عرضة للانتهاك في أحيان كثيرة، وأن قدرته على ضمان الاستقرار وتنظيم العلاقات الدولية تواجه اختبارات غير مسبوقة، لكنه شدد على أن المرحلة الحالية لا تعني نهاية القانون الدولي، بل تمثل فرصة لإعادة تأسيسه على قواعد أكثر عدلا وواقعية.
كما أبرز الملك أن القانون الدولي وضع ليكون إطارا للسلام والتعاون، غير أنه يواجه اليوم عالما سريع التحول، تنهار فيه الكثير من الثوابت التقليدية وتطرح فيه التحالفات موضع تساؤل، وهنا تكمن خطورة الوضع، فحين تفقد القواعد الدولية إلزاميتها، تصبح العلاقات الدولية مرهونة فقط بموازين القوى، ومع ذلك شدد جلالته على أن الأزمة ليست انهيارا بل تحولا يستوجب صياغة قواعد جديدة تواكب قضايا القرن الحادي والعشرين، وهنا يبرز البعد الاستشرافي في الرؤية المغربية التي لا تكتفي بوصف الأزمة بل تسعى إلى تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء نظام دولي أكثر عدلا وإنصافا.
منذ استقلاله، جعل المغرب من الشرعية الدولية ركيزة لسياسته الخارجية، فقد أكد المغفور له الملك الحسن الثاني أن المغرب لا يخرج عن المرجعية الأممية، وهو ما شكل أساسا لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، وقد واصل الملك محمد السادس هذا النهج بوضوح أكبر ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2014 شدد على أن “المغرب يظل متمسكا بالشرعية الدولية، ويعتبرها الأساس لضمان السلم والأمن في العالم”، كما أكد في خطاب 20 آب / أغسطس 2022 أن قضية الصحراء المغربية “لا يمكن أن تكون موضوع مساومة أو تسويات ظرفية، بل تعالج في إطار قرارات مجلس الأمن وروح ميثاق الأمم المتحدة”، وفي خطاب العرش لسنة 2023 أوضح الملك أن المغرب يتعامل مع التحولات الدولية بروح المسؤولية والالتزام بالتعددية، إيمانا بأن مواجهة التحديات العابرة للحدود تتطلب قواعد قانونية ملزمة ومؤسسات فعالة.
هذا الالتزام لم يبق في حدود الأقوال، بل تجسد في تحركات عملية عبر وزارة الشؤون الخارجية التي تعمل تحت التوجيه الملكي على جعل المرجعية القانونية محور كل المرافعات الدولية، ويكفي التذكير بمبادرة الحكم الذاتي التي وصفها مجلس الأمن بكونها جدية وذات مصداقية باعتبارها حلا سياسيا واقعيا يستند إلى الشرعية الدولية.
ولم يكن دفاع المغرب عن الشرعية الدولية مجرد موقف أخلاقي، بل خيارا استراتيجيا يواكب تحولات البيئة العالمية، فمن جهة ساهمت الدبلوماسية المغربية في تعزيز الوساطة وحل النزاعات، كما في الملف الليبي حيث استضافت المملكة عدة جولات للحوار بين الفرقاء الليبيين وأفضت إلى تفاهمات أساسية، ومن جهة أخرى، واصل المغرب عبر رئاسته للجنة القدس دعم حقوق الشعب الفلسطيني مجسدا التزاما عمليا بالقانون الدولي الإنساني، كما انخرط المغرب في الملفات الكونية الكبرى، إذ استضاف مؤتمر المناخ “كوب 22” بمراكش، وأطلق مشاريع رائدة في مجال الطاقات المتجددة جعلته نموذجا عالميا في التفاعل مع التحديات البيئية، وفي المجال الصحي برز دوره خلال جائحة كوفيد-19 عبر الدعوة إلى التضامن الدولي وتبادل الخبرات مع دول الجنوب،هذه المبادرات تعكس كيف تحول خطاب المغرب إلى أفعال ملموسة على الساحة الدولية.
انطلاقا من هذا الرصيد التاريخي والعملي، طرح خطاب الرباط رؤية استشرافية للسياسة الخارجية المغربية في أفق 2030، وتقوم هذه الرؤية على أربع مرتكزات أساسية: أولها ترسيخ المرجعية القانونية كخيار استراتيجي، لأن احترام القانون الدولي والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة يمثلان ضمانة لاستمرارية النظام العالمي واستقراره، فبدون قواعد واضحة تحكم سلوك الدول وتحدد التزاماتها، يصبح المجتمع الدولي عرضة للتفكك، ومن هنا تبرز المرافعة المغربية في الدفاع عن الشرعية باعتبارها ركيزة لبناء الثقة وتعزيز التعاون بين الأمم.
المرتكز الثاني يتمثل في توسيع أفق التعاون الدولي، فالمغرببفضل موقعه الجغرافي وتراكمه الدبلوماسي يشكل حلقة وصل طبيعية بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، هذا الموقع يمكنه من لعب دور الوسيط والميسر للحوار وتقريب وجهات النظر، ومن خلال تعزيز التعاون جنوب-جنوب والانفتاح على الشراكات المتعددة الأطراف يسعى إلى الإسهام في بناء فضاء دولي أكثر توازنا وتكاملا.
أما المرتكز الثالث فيكمن في إدماج القضايا الكونية الجديدة في صلب الممارسة الدبلوماسية، فالمغرب يدرك أن مستقبل العلاقات الدولية لن يتحدد فقط عبر القضايا التقليدية المرتبطة بالسيادة والأمن، بل أيضا عبر رهانات عابرة للحدود مثل الأوبئة، والتغير المناخي، والتحولات الرقمية، والأمن السيبراني، فإدماج هذه القضايا يعكس وعيا استشرافيا بضرورة بلورة قواعد دولية جديدة لمواجهة تحديات القرن.
المرتكز الرابع يرتبط بالشرعية الأخلاقية، فالمغرب يعتبر أن استعادة الثقة في القانون الدولي لن تتحقق إلا من خلال عدالة في تطبيق القواعد وتجاوز الانتقائية في احترامها، فهذه ليست مسألة قانونية فحسب بل شرط أساسي لبناء نظام دولي أكثر عدلا واستقرارا، ومن هذا المنطلق يبرز المغرب كصوت يدعو إلى إنصاف متكافئ بين جميع الدول، كبيرها وصغيرها، في احترام القواعد المشتركة.
وإذا كانت القوى الكبرى كثيرا ما تتعامل مع القانون الدولي من زاوية المصلحة، فإن بلدان الجنوب العالمي ترى فيه درعا لحماية سيادتها وضمان العدالة في العلاقات الدولية، واللافت أن الخطاب المغربي ينسجم مع هذا التوجه لكنه يضيف إليه بعدا عمليا يتمثل في الوساطة والمبادرة وتقديم الحلول، فالمغرب لا يكتفي بالمرافعة باسم الجنوب، بل يسعى إلى المساهمة في صياغة القواعد الجديدة للنظام الدولي.
إن الرسالة الملكية الموجهة إلى معهد القانون الدولي تعكس بوضوح خصوصية السياسة الخارجية المغربية، فهي تقوم على الجمع بين الوفاء للشرعية الدولية والانفتاح على التعاون متعدد الأطراف، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية والمشاركة في القضايا الكونية، وبذلك يطمح المغرب في أفق 2030 إلى أن يكون ليس فقط دولة ملتزمة بالقانون الدولي، بل أيضا فاعلا مشاركا في صياغة قواعده وتجديد مؤسساته بما يجعله أداة لضبط التوازنات وضمان الاستقرار وبناء مجتمع دولي أكثر عدالة وإنصافا.
وما يميز المغرب في هذا المسار أنه لا يقدم نفسه كقوة تسعى إلى الهيمنة، بل كصوت رصين يحمل هموم الجنوب العالمي، ويؤمن بأن التعاون والشرعية هما السبيل لبناء مستقبل مشترك، ومن خلال هذه الرؤية تتحول الرباط إلى منصة للأفكار والمبادرات، وتثبت أن الدول المتوسطة الحجم قادرة على لعب دور استشرافي في صياغة القانون الدولي للقرن الحادي والعشرين.
المقال خاص لصحيفة قريش – لندن













































عذراً التعليقات مغلقة