كيف نفكر في تجويد الانتخابات ؟

26 أغسطس 2025
كيف نفكر في تجويد الانتخابات ؟


كيف نفكر  في تجويد الانتخابات لحماية 

الخيار‭ ‬الديموقراطي؟

عبد الحميد جماهري

إعلامي ومحلل سياسي من المغرب

بما‭ ‬أن‭ ‬الخيار‭ ‬الديموقراطي‭ ‬صار‭ ‬رابع‭ ‬ثابت‭ ‬من‭ ‬الثوابت‭ ‬الوطنية،‭ ‬بعد‭ ‬الثلاثية‭ ‬المعروفة،‭ ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬لزاما‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجويد‭ ‬الانتخابات‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬الوسيلة‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬دوليا‭ ‬لحماية‭ ‬الديموقراطية،‭ ‬وليست‭ ‬الانتخابات‭ ‬هي‭ ‬المشهد(البئيس‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‮)‬‭ ‬الذي‭ ‬يقرف‭ ‬المواطنين‭ ‬والنخب‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬درع‭ ‬حماية‭ ‬الحيوية‭ ‬المجتمعية‭ ‬وحماية‭ ‬التعددية‭ ‬وحماية ثابت‭ ‬من‭ ‬الثوابت‭ ‬الوطنية‭.‬

‬وعليه‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬تحديد‭ ‬مستويات‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الديموقراطية‭ ‬أو‭ ‬الديموقراطية‭ ‬التمثيلية،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬وما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتم،‭ ‬في‭ ‬الحاجة‭ ‬لاجتهاد‭ ‬جماعي،‭ ‬سيعقبه،‭ ‬ولا‭ ‬شك،‭ ‬نقاش‭ ‬مؤسساتي‭ ‬حول‭ ‬التعديلات‭ ‬المقترحة‭.‬

في‭ ‬الجوهر‭ ‬هناك‭ ‬التفكير‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علم‭ ‬السياسة‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الممارسة‭ ‬الميدانية،‭ ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬والمثقفين‭ ‬والدارسين‭ ‬والأنتروبولوجيين‭ ‬والمؤرخين‭ ‬أن‭ ‬تناول الموضوع،‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬المفكر‭ ‬والأستاذ‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬محمد‭ ‬الطوزي‭ ‬مثلا،‭ ‬الذي‭ ‬تناول‭ ‬موضوع‭ ‬الانتخابات‭ ‬ومركزها‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬الدستور‭ ‬والممارسة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

ودون‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عرفته‭ ‬التمثيلية‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬منذ‭ ‬الاستقلال،‭ ‬يقترح‭ ‬تناول‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬أساسية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نستحضرها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬سياقنا‭ ‬المؤسساتي‭ ‬الذي‭ ‬اعترته‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاختلالات،‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬هاته‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العمومي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬القوى‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬والمنتجة‭ ‬للنخب‭ ‬التدبيرية‭ ‬المؤسساتية‭…‬وعليه‭ ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تفسير‭ ‬الدور‭ ‬المركزي‭ ‬للانتخابات‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية،‭ ‬وفي‭ ‬أنماط‭ ‬الحكم،‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭:‬

المستوى‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬مستوى‭ ‬الديموقراطية،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬العمليات‭ ‬الديموقراطية‭ ‬صارت‭ ‬تعتبر‭ ‬أفضل‭ ‬المؤشرات‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أكثرها‭ ‬بداهة‭ ‬على‭ ‬مسلسل‭ ‬الانفتاح‭ ‬الليبرالي‭ ‬السياسي‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الدمقرطة،‭ ‬ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬عهد‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬هاته‭ ‬القراءة‭ ‬للانتخابات،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬حماس‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬البرهنة‭ ‬على‭ ‬مصداقيتها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬فهم‭ ‬عادٍ،‭ ‬إجمالا،‭ ‬لهذه‭ ‬الآلية‮.‬‭ ‬وهو‭ ‬فهم‭ ‬ناجم‭ ‬عن‭ ‬انشغالات‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬الأكثر‭ ‬كلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬أول‭ ‬معيار‭ ‬يتيح‭ ‬وصف‭ ‬وضعية‭ ‬ما‭ ‬بأنها‭ ‬وضعية‭ ‬ديموقراطية،‭ ‬وذلك بتنحية‭ ‬أي‭ ‬تفكير‭ ‬في‭ ‬الأشكال‭ ‬التمثيلية‭ ‬غير‭ ‬الانتخابية‭ ‬أو‭ ‬بالاقتصار‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬مسألة‭ ‬التعيين،‭ ‬مقاربة‭ ‬على‭ ‬الهامش،‭ ‬باعتبار‭ ‬التعيين‭ ‬يحيل‭ ‬على‭ ‬اختلال‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬ظاهرة ماضوية خرجت‭ ‬للتو‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬السلطوية‭ ‬أو‭ ‬الأبوية‮..‬‭ ‬ولعل النقاشات‭ ‬حول‭ ‬الشفافية‭ ‬وحقيقة‭ ‬النتائج‭ ‬وصدقيتها‭ ‬لا بد من أن‮ ‬يتخللها تحليل‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬النقاشات‭ ‬الدائرة‭ ‬حول‭ ‬حجم‭ ‬الصناديق‭ ‬والتقطيع‭ ‬الانتخابي‭ ‬أو‭ ‬أنماط‭ ‬الاقتراع‭ ‬‮..‬

‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الانتخابات‭ ‬الحرة‭ ‬والشفافة،‭ ‬حسب‭ ‬الدستور،‭ ‬عنصرا‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬التعاقد‭ ‬المبرم‭ ‬بين‭ ‬النخب‭ ‬والسكان،‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬مسألة‭ ‬التعددية‭ ‬الحزبية‭ ‬كأساس‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬والحرية،‭ ‬ومسألة‭ ‬مصداقية‭ ‬تقديم‭ ‬الحساب،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬المغربية‭ ‬‮-‬‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬قراءة‭ ‬جد‭ ‬متلائمة‭ ‬مع‭ ‬النقاشات‭ ‬الكبرى‭ ‬للعلوم‭ ‬السياسية‭ ‬ـ‭ ‬من استشارة‭ ‬‮«‬ترتيب‮ »‬الانتخابات‮!‬

وإن أعلنت قناعاتها بالخطابات‭ ‬السياسية التي‮ ‬تقدم‭ ‬الانتخابات‭ ‬باعتبارها‭ ‬نمطا‭ ‬في‭ ‬التمثيلية،‭ ‬وليست‭ ‬وسيلة‭ ‬للتعيين،‭ ‬وعليه إذا‭ ‬كانت‭ ‬فكرة‭ ‬الديموقراطية‭ ‬التمثيلية‭ ‬تعرف‭ ‬انتشارا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬تظل‭ ‬أكثر‭ ‬التباسا‭ ‬في‭ ‬المجال،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نعلن،‭ ‬بدون‭ ‬مجازفة‭ ‬أو‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬الفهم،‭ ‬بأن‭ ‬‮»‬‭ ‬ترتيب‮»‬‭ ‬الانتخابات‭ ‬لم‭ ‬ينقرض‭ ‬تماما‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التقنين‭ ‬قد‭ ‬طاله،‭ ‬وصار‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬ترتيب‭ ‬النتائج‭ ‬يتم‭ ‬بواسطة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الآليات‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ “‬الغش‭ ‬المشروع‭”‬،‭ ‬والذي‭ ‬يفرض‭ ‬واقعا‭ ‬رهيبا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأحزاب‭ ‬الجدية،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬تناسل‭ ‬مكاتب‭ ‬التصويت،‭ ‬الضغوط‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬المرشحين،‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬فضائح‭ ‬بعينها‭ ‬وانتقائية‭ ‬وبناء‭ ‬حملات‭ ‬إعلامية‭ ‬موجهة‭ ‬‮..‬واكتشفنا‭ ‬مؤخرا‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬صوتا‭ ‬واحدا‮»‬‭ ‬يعادل‭ ‬كل‭ ‬الناخبين‭ ‬مجموعين‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬من‭ ‬مقاطعات‭ ‬فاس‭ ‬مثلا‭ ‬عند‭ ‬شراء‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‮!!.‬

‭ ‬‮..!‬‭ ‬ويتم‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الترتيب‭ ‬الذي‭ ‬يخدم‭ ‬‮«‬نية‮»‬‭ ‬سابقة‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬الديموقراطية،‭ ‬خصيصا،‭ ‬عبر‭ ‬التقطيع‭ ‬الانتخابي‭ ‬ونمط‭ ‬الاقتراع‮.‬‭ ‬وبذلك‭ ‬يصبح‭ ‬رهان‭ ‬الانتخابات‭ ‬تمثيل‭ ‬مختلف‭ ‬شرائح‭ ‬المجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬التمثيلية‭ ‬‮(‬بالمعنى‭ ‬السياسي‮).‬‭ ‬ولعل‭ ‬خلق‭ ‬لوائح‭ ‬خاصة‭ ‬بالنساء‭ ‬والشباب‭ ‬يقدم‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬توضيحا‭ ‬معبرا‭ ‬نموذجيا،‭ ‬وصار‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬سيتم‭ ‬انتخابه‭ ‬بمجرد‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬ترتيب‭ ‬هاته‭ ‬اللوائح‭ ‬‮..‬‭ ‬وبقياس‭ ‬الوزن‭ ‬الانتخابي‭ ‬لحزب‭ ‬من‭ ‬الأحزاب،‭ ‬ونفس‭ ‬الشيء‭ ‬يصدق‭ ‬بخصوص‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الغرفة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الباطرونا،‭ ‬الذين‭ ‬غيروا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬النقابات،‭ ‬من مورفولوجيا‭ ‬غرفة‭ ‬المستشارين‭ ‬المنذورة‭ ‬في‭ ‬الصيغة‭ ‬الأولى‭ ‬للدستور،‭ ‬للتمثيل‭ ‬الحصري‭ ‬للتراب‭ ‬الوطني‭ ‬‮(‬‭ ‬الجماعات‮).‬

المستوى‭ ‬الثاني،‭ ‬دور‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬المحلية‭ ‬السياسية،‭ ‬وعليه‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العالم‭ ‬السياسي‭ ‬والمواطنين‮..‬‭ ‬وهو‭ ‬موضوع‭ ‬قد‭ ‬يتعرض‭ ‬للاختلال‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬‮«‬بالتعيين‮»‬‭ ‬بدل‭ ‬التنافس‭ ‬وإقامة‭ ‬علاقات‭ ‬مضبوطة‭ ‬بالمحاسبة‭ ‬والواجب‮..‬‭ ‬

‮ ‬ومن ذلك أن الموقع الانتخابي‮ ‬يُضْمن‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬المتوفرة‭ ‬ومن وراء‮«‬‭ ‬الأوراق‮» ‬التي‭ ‬تهيمن،‭ ‬مقابل‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬الانتماء‭ ‬والالتزام‭ ‬ونبل‭ ‬السياسة‮..‬‭ ‬

المستوى‭ ‬الثالث‭ ‬هو‭ ‬خدمة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الفوز،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬‮ ‬أن نلخصها في‮ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬نفعل‭ ‬بالفوز؟‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الكثيرين‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬خدمة‭ “‬القفة‭” ‬والوساطة،‭ ‬وليس‭ ‬العمل‭ ‬‮ ‬من خلال ولاية‭ ‬انتدابية‭ ‬بمصالح‭ ‬معلنة‭ ‬في‭ ‬برنامج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقوض‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬للمواطن‭ ‬الناخب‭ ‬وغير‭ ‬الناخب‮..

المقال خاص لصحيفة قريش – لندن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com