كيف نفكر في تجويد الانتخابات لحماية
الخيار الديموقراطي؟
عبد الحميد جماهري
إعلامي ومحلل سياسي من المغرب
بما أن الخيار الديموقراطي صار رابع ثابت من الثوابت الوطنية، بعد الثلاثية المعروفة، فقد صار لزاما أن نعمل من أجل تجويد الانتخابات بما هي الوسيلة المتعارف عليها دوليا لحماية الديموقراطية، وليست الانتخابات هي المشهد(البئيس أكثر فأكثر) الذي يقرف المواطنين والنخب على حد سواء، بل هي درع حماية الحيوية المجتمعية وحماية التعددية وحماية ثابت من الثوابت الوطنية.
وعليه أصبح من اللازم تحديد مستويات التفكير في الانتخابات الديموقراطية أو الديموقراطية التمثيلية، ومن خلال ما تم وما يجب أن يتم، في الحاجة لاجتهاد جماعي، سيعقبه، ولا شك، نقاش مؤسساتي حول التعديلات المقترحة.
في الجوهر هناك التفكير من خلال علم السياسة ومن خلال الممارسة الميدانية، وقد سبق للكثير من المفكرين والمثقفين والدارسين والأنتروبولوجيين والمؤرخين أن تناول الموضوع، ومن بينهم المفكر والأستاذ في العلوم السياسية محمد الطوزي مثلا، الذي تناول موضوع الانتخابات ومركزها في إنتاج السياسة في بلادنا، انطلاقا من تحولات الدستور والممارسة على حد سواء.
ودون العودة إلى كل ما عرفته التمثيلية في بلادنا منذ الاستقلال، يقترح تناول النقاش من خلال ثلاثة مستويات أساسية، لا يمكن إلا أن نستحضرها اليوم في سياقنا المؤسساتي الذي اعترته الكثير من الاختلالات، ونحن في حاجة إلى هاته الأصوات في الفضاء العمومي، إلى جانب القوى الفاعلة في الميدان والمنتجة للنخب التدبيرية المؤسساتية…وعليه لقد أصبح من الضروري تفسير الدور المركزي للانتخابات في الحياة السياسية، وفي أنماط الحكم، على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول هو مستوى الديموقراطية، حيث إن العمليات الديموقراطية صارت تعتبر أفضل المؤشرات أو على الأقل أكثرها بداهة على مسلسل الانفتاح الليبرالي السياسي بل على الدمقرطة، ومما لا شك فيه أن عهد محمد السادس قد دخل بقوة في هاته القراءة للانتخابات، بالنظر إلى حماس السلطات في البرهنة على مصداقيتها في إطار فهم عادٍ، إجمالا، لهذه الآلية. وهو فهم ناجم عن انشغالات العلوم السياسية الأكثر كلاسيكية التي ترى في الانتخابات أول معيار يتيح وصف وضعية ما بأنها وضعية ديموقراطية، وذلك بتنحية أي تفكير في الأشكال التمثيلية غير الانتخابية أو بالاقتصار على مقاربة مسألة التعيين، مقاربة على الهامش، باعتبار التعيين يحيل على اختلال ما أو ظاهرة ماضوية خرجت للتو من الهيمنة السلطوية أو الأبوية.. ولعل النقاشات حول الشفافية وحقيقة النتائج وصدقيتها لا بد من أن يتخللها تحليل الاستحقاقات الانتخابية، كما هو حال النقاشات الدائرة حول حجم الصناديق والتقطيع الانتخابي أو أنماط الاقتراع ..
فقد أصبحت الانتخابات الحرة والشفافة، حسب الدستور، عنصرا حاسما في التعاقد المبرم بين النخب والسكان، وهي بذلك تحمل في الوقت ذاته مسألة التعددية الحزبية كأساس للنظام السياسي والحرية، ومسألة مصداقية تقديم الحساب، غير أن ذلك لم يمنع النخب السياسية المغربية - في إطار قراءة جد متلائمة مع النقاشات الكبرى للعلوم السياسية ـ من استشارة «ترتيب »الانتخابات!
وإن أعلنت قناعاتها بالخطابات السياسية التي تقدم الانتخابات باعتبارها نمطا في التمثيلية، وليست وسيلة للتعيين، وعليه إذا كانت فكرة الديموقراطية التمثيلية تعرف انتشارا نجد أن الممارسة السياسية تظل أكثر التباسا في المجال، ويمكن أن نعلن، بدون مجازفة أو خوف من سوء الفهم، بأن » ترتيب» الانتخابات لم ينقرض تماما بل يمكن أن نقول إن نوعا من التقنين قد طاله، وصار التوصل إلى ترتيب النتائج يتم بواسطة العديد من الآليات بما فيها “الغش المشروع”، والذي يفرض واقعا رهيبا على كل الأحزاب الجدية، ومن ذلك تناسل مكاتب التصويت، الضغوط غير المباشرة على المرشحين، الكشف عن فضائح بعينها وانتقائية وبناء حملات إعلامية موجهة ..واكتشفنا مؤخرا بأن «صوتا واحدا» يعادل كل الناخبين مجموعين في مقاطعة من مقاطعات فاس مثلا عند شراء مسؤول في السلطة المشرفة على الانتخابات!!.
..! ويتم الحصول على الترتيب الذي يخدم «نية» سابقة عن ممارسة الديموقراطية، خصيصا، عبر التقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع. وبذلك يصبح رهان الانتخابات تمثيل مختلف شرائح المجتمع أكثر منه التمثيلية (بالمعنى السياسي). ولعل خلق لوائح خاصة بالنساء والشباب يقدم عن ذلك توضيحا معبرا نموذجيا، وصار من الممكن معرفة من سيتم انتخابه بمجرد النظر إلى ترتيب هاته اللوائح .. وبقياس الوزن الانتخابي لحزب من الأحزاب، ونفس الشيء يصدق بخصوص الوصول إلى الغرفة الثانية من طرف الباطرونا، الذين غيروا، إلى جانب النقابات، من مورفولوجيا غرفة المستشارين المنذورة في الصيغة الأولى للدستور، للتمثيل الحصري للتراب الوطني ( الجماعات).
المستوى الثاني، دور الانتخابات في الحياة المحلية السياسية، وعليه النظر إلى العلاقة بين العالم السياسي والمواطنين.. وهو موضوع قد يتعرض للاختلال عندما يتم «بالتعيين» بدل التنافس وإقامة علاقات مضبوطة بالمحاسبة والواجب..
ومن ذلك أن الموقع الانتخابي يُضْمن انطلاقا من الموارد المتوفرة ومن وراء« الأوراق» التي تهيمن، مقابل الرهان على صدق الانتماء والالتزام ونبل السياسة..
المستوى الثالث هو خدمة ما بعد الفوز، أو التي يمكن أن نلخصها في السؤال: ماذا نفعل بالفوز؟ ولا شك أن الكثيرين يميلون إلى خدمة “القفة” والوساطة، وليس العمل من خلال ولاية انتدابية بمصالح معلنة في برنامج، وهو ما يقوض الثقافة السياسية للمواطن الناخب وغير الناخب..
المقال خاص لصحيفة قريش – لندن













































عذراً التعليقات مغلقة