كيف صار أبقراط بعثياً 

13 أغسطس 2025
كيف صار أبقراط بعثياً 

د. خالد زغريت 

كاتب من سوريا

أما حكايتي.. فلا علاقة لها بالحشد الجماهيري البعثي الذي خرج شعثاً وغبراً ومن كل بيت فقير. يناشدون القيادة البعثية أن تضرب ضربة تاريخية بترقية كلب الرفيق العالي لنيل عضوية حزب البعث. فتحقق سبقاً حزبياً تاريخياً لم تنل شرفه أحزاب اليسار العالمية بالرفيق الحمار. ولا سيما أن هذا الكلب أشد وفاء من السموءل، ومن عنزة غاندي. فهو الذي نبح على الرجعية العربية فجر الحركة التصحيحية. وهو الذي عض الضباط الانفصاليين من رتبته وأوسمته. ثم والأهم من ذلك هو الذي أكل اللحمة الأخوية مع إيران حين راحت تحمي البوابة الشرقية ضد البعث العراقي اليميني. وتلك سجلات شرف لم ينجزه بعثي قبل كلب الرفيق.

  الحكاية بدأت في يوم صيفي شمسه مكسوفة لكثرة شبه ظلال الحشد البعثي بالكلاب. وفي زحمة حماستهم الحزبية صدم أحد المناضلين طفلة كانت تلاحق عصفورها الذي فرّ خوفاً من هتافات البعثيين. هرعنا إلى إسعافها، إلى الرفيق طبيب الصحة الحزبية، وكانت له حقيبة كعبها عال في البلد كانت على رأس كوم المهنة. لم يكن جرح الطفلة على غاية من الخطر. أودعناها الوحدة الصحية وصرنا نتواصل مع الممرضة نطمئن على حال الطفلة إلى أن أخبرتنا بوجوب إخراج الطفلة لتماثلها للشفاء.

  لكن مفاجأتنا كانت مذهلة.. حين قابلنا الرفيق الطبيب الذي رفض إخراج الطفلة بحجة أنها لم تشف بعد. وهي بحاجة إلى العلاج.. ولن تخرج حتى تبرأ من الحول في عينيها.. جنّ جنوننا.  فحّوَل عين الطفلة كان معها منذ الولادة. ولا علاقة للصدمة به…وبينما كنا نجادله… وهو يدعي أن سمعته الطبية الحزبية فوق كل اعتبار.. أحسّ كبيرنا برجفة في القلب.

   وبدأ رحلة الحظ. راجع طبيب قلب شهرته تفوق أبقراط. وأبقراط ذاك المدعو أبو الطب.. ومبدع القسم الذي تعتمده كل الأكاديميات. كان يسكن بحمص. وكان يلقي محاضراته في بستان وسط المدينة، عرف فيما بعد ببستان الديوان. وكان من أشهر تلامذته ماغنس الحمصي صاحب كتاب البول…أما أبقراط الحفيد فقد كاد يصيب كبيرنا بأكثر من علة في القلب لكثرة الفحوصات، والصور التي أرشدته على أنه مصاب قلب.. ما استسلم كبيرنا.        

   لبس جزمة ابن بطوط. وراح يطوف الأمصار بحثاً عن علاج. فقيل له: عليك أن تجد استثناء لمثل: مزمار الحي لا يطرب.. بل عليك أن تطرب ولا تستفتي وفي المدينة مالك.. ودلوه على عيادة تلميذ ماغنس الذي فاقه تطبيباً. دخل العيادة… صلبه الطبيب على السرير. وراح يتصفح الصور والتقارير والوصفات.. وفجأة كأنما لسعه دبور.. رماها وأرغى وأزبد.. محتجاً كيف أجرؤ على مراجعة طبيب قبله.. وخرج الطبيب غاضباً، وكبيرنا مسمّر على سرير الفحص.. سأل الممرضة… ماذا أفعل…

      قالت: حرد.  الطبيب ألا تعلم مَن هو؟ هو قائد فرقة الدبكة البرلمانية , وعضو أكاديمية المداجن البعثية وعضو شرف في طلائع البعث، والأهم هو حلّاق أبناء الرفيق الأعلى. وسائس خيل أخيه، ومصفف شعر دبلوماسيات الحزب الاشتراكي الكوري.. وراحت تعدد عضوياته، ونحن ننتظر أن تكون إحداها لها علاقة بالطب من دون جدوى إلى أن قالت : لا تخافوا أخلاقه الحزبية تصفو من العكر ويعود.. وفعلاً عاد من حرده. تمتم، غمغم تذمر.. ونطق ما كفراً إنما قهراً…وأقرّ بأن الأمر هينٌ، لكن على المريض المواظبة على زرق إبر الهيبارين تحت الجلد. ويا غافل لك الله. بات المريض يواظب على شراء الهيبارين. وأخذه.. والصيادلة تستهجن كيف يأخذ الهيبارين مريض، ويمشي في الشارع… كان لا بد من متابعة العلاج ولو بالأبر الصينية.

    بعد شقاء دعاه صديقه لمراجعة كبير أطباء مدينته التي تعالج أهم السلاطين، وأعرى الفنانين، وأمهر صناع طرابيش الزمان… وحين ذهب لم ير في المشفى يافطات مكتوب عليها: لا شفاء هنا لذوي الأمل المحدود. لا حياة في هذا الوطن إلا للاشتراكية. والدين ممنوع، وعين الحاسد فيها عود.. إنما مكره أخاك لا بطل. والمال الذي لايعز صاحبه تأكله عيون الحسود.. بعنا الخمير والفطير وحليب المقمّط بالسرير.. والأطباء يضحكون.

  أخيراً أجروا القسطرة.. فازدوا ضحكاً وأبكونا. لأنهم من البداية كما عرفنا فيما بعد أنهم موقنون بخطأ العلاج الذي كان يتبعه. لكن ليطمئن جيبهم وقلبهم معاً. أجروا القثطرة.  فبيّعوه حتى الحصير. ليقولوا: ليس إلا حمارا ً كحمار باشا الذي يصف الهيبارين لمريض.. ويترك لرب العالمين مراقبته. الهيبارين لا يعطى إلا تحت المراقبة.. والجاهل لا يتعلم إلا من كيسه….

   أما الطبيب الذي كان يحتجز الطفلة لتشفى من الحوّل فكان يشتري الفولارات ليوزعها على أطفال طلائع البعث. وأما أبقراط الحفيد.. فجنى ما يكفي ليستكري فداناً من الإصلاح الزراعي في كوكب الزُّهرة ليشيد عليه عرزال نقاهة لمرضاه وخلوة للرفاق البعثيين. وأما حفيد ماغنس فبات على وشك توفير ثمن طائرة خاصة ليفسح كلب الرفيق في أوروبا الشرقية إذا بعد انهيار الاشتراكية منعوا نقل الكلاب بالطائرات العامة… وأما نحن فرحنا نحفظ على كبر المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وإن كان التعلم في الكبر كالوخز بالإبر سواء لبسنا الجبة الحمراء أو أخذنا الهيبارين تحت ضرس العقل المسوس. 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com