الصامتة.. قصة قصيرة للكاتب المغربي رحال كريش

30 أغسطس 2025
الصامتة.. قصة قصيرة للكاتب المغربي رحال كريش

الصامتة

رحال كريش

كاتب من المغرب

لم تكن المرآة المعلقة في مدخل البيت مجرد قطعة زجاج تعكس الصور، بل كانت، منذ سنين طويلة، شاهدة على حياة كاملة تتغير وجوهها مثل الفصول. كانت قديمة الإطار، خشبها متهالك يحمل آثار الغبار، وزواياها مشققة، لكن وسطها ظل صافيًا، كأنه يصرّ على البقاء شاهداً رغم تقادم الزمن.

وقف أمامها “سليم”، يحدق في وجهه بتوتر لم يعرف له مثيلاً. رأى ملامحه التي لم تعد هي نفسها التي اعتاد عليها. عينان غائرتان، تجاعيد حول الفم، شعر تراجع خطه الأمامي تاركًا مساحة فارغة. همس لنفسه: “متى تغيّر كل هذا؟” وكأن المرآة تذكّره بما كان يتجاهله طويلاً.

لم تكن المرآة تكذب أبدًا، بل كانت قاسية في صدقها. كل صباح تمر أمامها زوجته في طريقها إلى العمل، فتُصلح وشاحها بسرعة وتمضي، كأنها تخشى مواجهة انعكاسها. أبناؤه الثلاثة كانوا يلهون أمامها ويضحكون من صورهم المشوهة حين يقفون قريبًا منها. أما هو، فكان يكتفي بنظرة عابرة، حتى جاء هذا الصباح المختلف، حيث شعر بحاجة ملحة لأن يتأمل نفسه بعمق، وكأن سؤالاً عالقًا في صدره يريد جوابًا أخيرًا.

تذكر يوم اشترى المرآة مع زوجته قبل خمسةٍ وعشرين عامًا. يومها قال لها وهو يضحك: “هذه ستشهد على شبابنا.” ضحكت بدورها وأضافت: “وعلى شيخوختنا أيضًا.” لم يأخذ عبارتها على محمل الجد وقتها، لكنه الآن أيقن أنها كانت نبوءة أكثر منها دعابة.

اقترب أكثر حتى كاد يلمس الزجاج بأنفاسه. رأى خلف صورته صورًا أخرى مختبئة: ملامح والده الراحل الذي كان يقف أمام المرآة ليُسرّح شعره قبل الخروج، وابتسامة أمه حين كانت تناديه صغيرًا ليغسل وجهه. كل تلك الوجوه كأنها عادت لتطل من أعماق الزجاج، تُذكّره بأن المرآة لم تكن تخصه وحده، بل كانت مخزنًا لذاكرة البيت كله.

ارتبك حين لمح دمعة تتدحرج على وجنته. لم يذرفها عمدًا، لكنها خرجت وحدها كما لو أن المرآة عصرت قلبه. جلس على الكرسي الخشبي الصغير المقابل، وبدأ يحدّث نفسه:

– هل حقًا كبرتُ إلى هذا الحد؟ أم أن المرآة تكشف لي ما لا أريد الاعتراف به؟ كم مضى من عمري وأنا أؤجل أحلامًا صغيرة؟ كم مرة أخفيت ضعفي وراء ابتسامة باردة؟

في لحظة صمت، أحس بأن المرآة تجيبه بلا كلمات. فصورته المرتعشة لم تكن سوى نسخة منه، تسأله بدورها: “وماذا بعد؟” تذكر صديقه الذي فقده فجأة بنوبة قلبية قبل أسابيع. تذكر ابنته التي كبرت سريعًا وصارت تفكر في السفر بعيدًا. وتذكر جسده الذي صار يئن من التعب عند كل صعود للسلالم.

المرآة لم ترحم، لكنها في قسوتها بدت كأنها تمنحه فرصة جديدة. نهض واقفًا، ومسح دموعه، وأخذ نفسًا عميقًا. لأول مرة لم يشعر بأن ما يراه فيها عدوًّا، بل رسالة. رسالة تقول له: “ما زال هناك وقت لتبدأ من جديد، حتى لو كان قصيرًا.”

أدار ظهره مغادرًا، لكن خطواته توقفت. عاد، نظر إلى المرآة مرة أخيرة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. قال بصوت مسموع: “أشكرك.” لم يكن يوجّه شكره لنفسه ولا لانعكاس صورته، بل لذلك الزجاج الذي واجهه بالحقيقة التي كان يهرب منها.

 أغلق باب البيت خلفه، والشمس في الخارج بدت أكثر إشراقًا. أمّا المرآة، فقد بقيت وحيدةً على الجدار، صامتة، تنتظر وجهًا جديدًا يأتي ليكتشف بدوره أن الحقيقة لا تُرى في الناس فقط، بل فيما نجرؤ على النظر إليه داخلنا.

خاص لصحيفة قريش -ملحق ثقافات واداب -لندن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com