د. عماد الدين الجبوري

باحث وكاتب في لندن
جدل في آراء علي الوردي وخلوصي وآخرين
قراءة في الشخصية الفردية العراقية
لقد تناول موضوع شخصيَّة الفرد العراقي بعض المؤرخين والباحثين، وشغلت اهتمامات الكثير من اختصاصات أخرى. ومن المفيد أن نستهل بإيجاز إلى تعريف مفهوم الشخصيَّة الفرديَّة، إذ توجد تعريفات متعددة بحسب المنظور العلمي اجتماعيًا أو نفسيًا أو تاريخيًا. فوفق علم النفس، تُعدّ الشخصيَّة هي مجموعة من أنماط التفكير والسلوك والشعور والميول، التي يتميز بها الفرد بصفته الذاتية القائم بها. كما يُعتقد بأن العوامل الوراثية والأسرية والبيئية لها دورها وتأثيرها في نمو وتطور شخصية الفرد. وفي هذا الصدد، قدَّم علماء النفس نظريات تعريفية عدة للشخصية منها، الإنسانية والطاقة الطبيعيَّة النفسيَّة، إضافة إلى السمات والمواقف، ومن أكثرها انتشارًا وتأثيرًا هي نظرية “العوامل الخمسة الكبرى”، التي تنص على أن الشخصيَّة لها أبعاد رئيسة خمسة هي: الانفتاح على التجربة، والضمير الحي، والانبساط، والقبول والعصابية.
أمّا تعريف علم الاجتماع، فيرى أن سمة الشخص كائن بشري مستقل ذاتيًا يجمع بين كينونته الذاتية والاجتماعية. بمعنى، أن الفرد والمجتمع وجهان لحقيقة واحدة، إذ هما يولدان معًا، فشخصية الإنسان لا تنشأ من فراغ، وإنمّا تتكون وفق قوالب يصنعها المجتمع، الذي يحدد معالم شخصية الفرد طوال حياته، لا سيما أن الجانب الاجتماعي يؤكد على القيمة المعنوية للفرد. لذلك، تجد أن أبناء المجتمع الواحد، بالرغم من تفاوتهم في السمات الفردية، لكنهم متشابهون في كثير من صفاتهم وعاداتهم وتقاليدهم الشخصية على نحوٍ عام.

وعن شخصية الفرد العراقي، سوف نركز على ما جاء في تاريخنا المعاصر، وصلته بالواقع العراقي منذ الغزو الأميركي في العام 2003، وما جرى ويجرى للآن، وسنتناول آراء كل من الدكتور صفاء الدين خلوصي والدكتور علي الوردي، إذ لكل واحد منهما رأيه المغاير عن الآخر. وهنا، أود أن أشير إلى نقطة معينة، إذ أن السنوات الأربعة الأخيرة من حياة المؤرخ والأديب خلوصي (1917-1995)، جمعتني به صلة إعلامية، فهو كان في مدينة أوكسفورد، وأنا في لندن، وكنا نلتقي معًا على الصفحة الثقافية في “جريدة العرب الدولية”، وجرت اتصالات هاتفية فيما بيننا، وتفضل مشكورًا بتناول كتابي “الله والوجود والإنسان” في مقالة خاصة، أشار فيها إلى شخصية الفرد العراقي.

وبحسب رأي خلوصي، إنَّ شخصية الفرد العراقي ليست وسطية على الإطلاق، بل هي أحادية النمط في الإيجاب أو في السلب، كما أنها مفرطة في أحاديتها، فالفرد العراقي عندما يحب، تجده يرفع من منزلة الشخص المحبوب إلى درجة من الغلو أو القدسية. أمّا إذا بغض شخصًا، فإنه يحط من منزلة المبغوض، حتى لو كانت له قدسية! ويضرب أمثلة جرت عبر تاريخ العراق.
وفي المقابل، تجد أن المؤرخ علي الوردي (1913-1995)، خاصةً في كتابه “شخصية الفرد العراقي” الصادر عام 1951، يرى بأن شخصية الفرد العراقي ازدواجية، فالمثقف والمعمم تارة يحدثك عن المثل العليا وينتقد من يخالفها، وتارة يعتدي أو يهدد بالاعتداء لأي سبب يحفزه إلى الغضب تافه أو جليل، ضاربًا عرض الحائط بتلك المثل التي تحمس في سبيلها قبل ساعة”. وحتى في صدر الإسلام عندما كان المجتمع العراقي موطنًا لعدد كبير من أقطاب التفكير الديني وأعلام المنطق والفلسفة، ففيه عاش كثير من صحابة الرسول، وفيه نشأت فرقة المعتزلة، وفيه ظهر كثير من أقطاب التصوف وأئمة الإسلام، فهؤلاء الأعلام الأخيار طبعوا التفكير العراقي بنمط المثالي، وجعلوا الشعائر السائدة في العراق تنشد احترام الواجب وتمجد الأخلاق الفاضلة.
وهنا، نود أن نقف قليلًا تجاه “فرقة المعتزلة”، التي ذكرها الوردي، إذ نعتقد بأنه لم يسردها وفق سياق النص فقط، وإلا لذكر فِرق أخرى مثل، المرجئة والخوارج والحشوية وغيرهم. فالمعتزلة علماء الكلام بلا منازع، وفلاسفة الإسلام الإلهيين، الذين مهدوا إلى قيام فلسفة إسلامية مميزة، وقد جمعوا بين الدين والعقل في أفكارهم ونظرياتهم. ومع ذلك، سنذكر حدثين عن بعض أقطاب المعتزلة، وكيف هي شخصية الفرد العراقي، الذي ينقلب فجأةً على “المثل العليا” وفق تشخيص الوردي.

كان أبو الهذيل العلاف (753-840) شيخ المعتزلة في عصره، لكن غالبًا ما يخالفه تلميذه إبراهيم النظّام (777-845) في مناظرات عديدة حول الجزء والحركة والطفرة، وفي إحدى المناظرات، بعدما عجز الشيخ عن إقناع تلميذه، بصق العلاف بوجه النظّام. فقال الأخير: قبحك الله من شيخ أضعفت الحق، وأهنت الحكمة.
والحدث الآخر، كان أبو علي الجبائي (849-915) يوجب على الله رعاية الصلاح والأصلح في عباده، بينما تلميذه أبو حسن الأشعري (873-935)، يخالفه الرأي، وأشتد الخلاف بينهما حتى انقطعت العلاقة بينهما في مناظرة حول الأخوة الثلاثة، التي أبتكرها الأشعري: المؤمن والكافر والصبي، ماتوا، كيف حالهم؟
الجبائي: المؤمن بالجنة، والكافر في النار، والصبي في أهل السلامة.
فإذا أراد الصبي أن يصل إلى منزلة أخيه الكبير المؤمن.
لا يستطيع، إذ ليس له تلك الطاعات.
وإذا قال الصبي: التقصير ليس مني، متُ وأنا صغير.
يقول الله: كنت أعلم لو بقيت لعصيت، فراعيت مصلحتك.
يقول الكافر: يا الله، لقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟
لا جواب عند الله!
الجبائي: أنت مجنون.
الأشعري: لا، بل وقف حمار الشيخ في العقبة.
وهنا، علينا أن نتصور هذين الحدثين، ونحن نستحضر التشخيص الذي طرحه علي الوردي في شخصية الفرد العراقي، الذي أصبح متعودًا أن يخاطب ويكتب في حدود ما يستوجبه الدين أو يقتضيه المنطق من أن أفكار سامية وبراهين دامغة، ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يغير من طراز حياته اليومية شيئًا. ولذلك، صار مقتصمًا شخصيتين أو ذاتين مختلفتين: ذاتًا يفكر بها، وذاتًا أخرى يعمل بها، وما أبعد ما بين هاتين الذاتين.
ويعرض الوردي رأي الجاحظ، كأحد المفكرين المسلمين الذين حاولوا تفسير هذه الظاهرة الاجتماعية في العراق، أي لماذا كان العراقيون أهل شقاق ونفاق؟ ولماذا كانوا يشجعون بعض الزعماء على الثورة ثم يتخلون عنهم ساعة الضيق؟ وبحسب قول الجاحظ في كتابه “البيان والتبيين”: إنَّ “العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء هي في أنهم أهل النظر وذووا فطن ثاقبة، والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء، وإظهار عيوب الأمراء… وما زال العراق موصوفًا بقلة الطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة”. ج 2، ص 94.
ويرى الوردي، بأن كل مدينة يكثر فيها رجال الدين ينتشر فيها أيضًا ازدواج الشخصية على درجة كبيرة، ذلك لأن الإنسان في هذا المجتمع مضطر أن يكون دينيًا من ناحية، ودنيويًا من ناحية أخرى. وهذا الرأي، يذكرنا بقول طه حسين: “إذا اعتمدت على رجال الدين في بناء دولة وبناء إنسان راقي، فتأكد أنك لن تبني دولة ولن تصنع إنسان، بل ستبني مغارة لصوص وبجوارها مقبرة”.
إنَّ شخصية الفرد العراقي يتناولها علي الوردي من منظور التحليل الحضاري أيضًا، وذلك عبر سرد مراحل التاريخ العراقي القديم والإسلامي والحديث، فإنَّ التحليل الاجتماعي الذي يصل إليه، بأنه يُظهر الازدواجية في تكوين الشخصيَّة العراقيَّة، ويستعرض الكثير من الأمثلة والحالات التي أدت إلى ذلك، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، وضع الأسرة ونشأة الطفل اجتماعيًا، وغيرها من الجوانب الحياتية والعملية والاجتماعية والأدبية… إلخ، ولا يسعنا المجال أن نسردها هنا، لكنْ هل كان الوردي على صواب في رأيه وتحليله لشخصية الفرد العراقي؟ وهل فعلًا أهل العراق “شعبٌ حائر” على حدّ قوله؟ ويعني بالازدواجية المكمونة في شخصية الفرد العراقي ما بين البدوية والحضرية. وقبل الجواب، علينا أن نعرف بأن الوردي من أنصار العلمانية، إذ يرى أن العلاج المطلوب يكون في ثلاثة أنواع:
العلاج الأول، إزالة الحجاب عن المرأة ورفع مستواها، وإدخالها في عالم الرجل لكي تتوحد القيم والمُثل والأهداف. (وفي هذا الصدد، فإنَّ الوردي شأنه شأن الذين سبقوه من الداعين إلى تحرير المرأة، وما قول الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي (1863-1936) “أسفري فالحجاب يا ابنة فهرٍ، هو داءٌ في الاجتماع وخيمُ”، إلا توكيد على هذا الاتجاه الحر).
العلاج الثاني، تقليل الفرق الكبير بين اللغة العامية واللغة الفصحى، (وهذا ما فعله الإمام محمد عبده (1844-1905) بأهمية اللغة في عملية الإصلاح والتجديد الديني)، ويطالب الوردي بأن نتحدث كما نخطب، ونخطب كما نتحدث، من دون أن نركز على قيود اللغة الباطلة، التي وضعها سيبويه ونفطويه والحريري والهمداني وغيرهم.
وعن سيبويه، نود أن نشير إلى نقطة عند العنصريين من الفرس، الذين يدّعون بأن سيبويه علّمَ العرب لغتهم، في حين أن سيبويه كان تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي (718-790)، واضع عروض الشعر العربي، لكنهم يحرفون الحقيقة لغاياتهم الشعبوية. كما أن إيران، على مدى عشرة قرون، كان ينتشر فيها المذهبين الشافعي والحنفي، إلا أن الدولة الصفوية (1501-1727) بالعنف غيّرت المذهب، ولا مجال للخوض فيها الآن).
العلاج الثالث، تهيئة الملاعب أو الرياضة للأطفال، اذ يتكيفون فيها للحياة الصالحة تحت إشراف مرشدين أكفاء. وكذلك تعليمهم بأن قوة العلم والصناعة والنظام هي التي تحكم العالم. (وهذا العلاج الذي يقدمه الوردي، فقبل كلامه قد شهد العالم دمار القنبلة الذرية، التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد اليابان، والتغيير الكبير الذي حصل تجاه القوة التي تحكم العالم).
على أية حال، فإن علي الوردي قد اصاب في بعض نقاطه تجاه تكوين الازدواج، لكنه بالقدر الذي بيّن أسباب الازدواجية في شخصية الفرد العراقي وبمختلف طبقاته الاجتماعية، فإنه لم يتطرق إلى العوامل التي أدت إلى نشوء ظاهرة الازدواج في المجتمع العراقي ومنها، العامل الخارجي وتأثيره على الفرد والمجتمع، وما الغزوات والاحتلالات التي جرت في الماضي من غزو المغول التتار في العام 1258إلى الغزو الأميركي في العام 2003، ولقد شهدت بغداد فيها 19غزوًا أجنبيًا، أخطرها الصفوي عبر ثلاث غزوات في فترات زمنية مجموعها 36 سنة، نبشوا فيها حتى القبور، وحرقوا العظام، نتيجة الحقد والكراهية، وهذا ما يميزهم عن بقية الاحتلالات المغولية والتركمانية والعثمانية والبريطانية، فالمحتل يستخدم القوة لفرض وجوده فقط، إلا الفرس فيحركهم حقد تاريخي لم يستطيعوا تجاوزه قط، والآن نشهد ما فعلته، وما زالت تفعله، إيران عبر ذيولها في العراق، خاصةً بعد العام2011 حتى يومنا هذا، وهذا الفعل الخارجي من بين الأدلة بتأثيره السلبي على وضعية الشخصيَّة العراقيَّة، التي فيها من تصدى وقاوم الاحتلال، وما زال يقاوم، وفيها من رضخ واستسلم للأمر الواقع، وهذا الوضع لا يخص شخصية الفرد العراقي وحده، وإنّما وضع بشري عام، وربما أراد الوردي أن يتفادى أي نقد أو مأخذ على أفكاره وآراءه، لذا فقد أشار في مستهل كتابه قائلًا: “لست أدعي بأن هذه المحاضرة بحث قد أستوفى شروطه العلمية”.
(هذه المحاضرة أُلقيت عن بُعد بمنتدى “أتحاد تشرين الحر” في 1 آب 2025).















































عذراً التعليقات مغلقة