الإنسان لا يُقتل مرتين… والحياة لا تُصان بالشعارات
أ.د. أحمد محمد القزعل
يولد الإنسان محمّلاً بهبة إلهيّة ثمينة لا تُقدّر بثمن، إنه الحق الأول لكل إنسان إنه حقّ الحياة، وهذا الحق هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها سائر الحقوق الإنسانية الأخرى، فبوجوده يصبح للحرية معنى وللكرامة ظل وللعدالة وجه، أمّا في غيابه فإن كل الحقوق تسقط في الظل، ويغدو الإنسان كائناً منسياً في دوامة الظلم والظلام ، لكن حق الحياة لم يكن في مأمن عبر التاريخ، بل كثيراً ما تعرّض للتشويه والامتهان، ففي عصور الجهل والطغيان كان للملوك والقبائل والسادة الكلمة الفصل في مصير البشر يحيون من يشاؤون ويُميتون من يشاؤون، وكم من نفس أزهقت ظلماً وكم من حياة انتهت في مهدها بلا ذنب، لا لشيء سوى لقرارات عبثية أو أعراف قاسية أو طموحات دموية.
ولعل من أشد ما شهدته البشرية من امتهان لحق الحياة عادة وأد البنات في الجاهلية، حيث كان الأب يدفن ابنته حيّة خوفاً من العار في مشهد يندى له جبين الإنسانية، واليوم ورغم كل التقدم لا يزال الخطر قائماً، حيث تُزهق الأرواح البريئة في الحروب، ويُمارس العنف بأبشع صوره تحت ذرائع واهية وتُرتكب الجرائم في حق الإنسانية باسم الدين أو العِرق أو السلطة.
وما من شريعة سماوية ولا منظومة أخلاقية، إلا وقد أجمعت على قدسية الحياة الإنسانية، فالإسلام في جوهره يرفع من شأن الإنسان، ويؤكد أن الحياة هبة من الخالق لا يملك أحد حق سلبها، وفي قلب التشريع الإسلامي يقف حق الحياة كقيمة مركزية لا يُستهان بها، فقد حرّم الإسلام القتل بغير حق، وفرض عقوبات صارمة على من يعتدي على النفس البشرية، وليس هذا فحسب بل سدّ كل الطرق المفضية إلى إراقة الدماء، حتى لو كانت بطريقة غير مباشرة، كالإشارة بالسلاح للآخر من غير مبرر أو تعريض النفس للهلاك بالانتحار، كما أوجب الإسلام أن يكون تنفيذ العقوبات ـ كحد القتل ـ تحت إشراف السلطة القضائية، لا أن تُترك لأيدي الأفراد أو الجماعات، فالحاكم ـ في نظر الإسلام ـ ليس متسلطاً، بل منفّذاً لشرع الله حارساً للحقوق، وعلى رأسها حق الحياة، كذلك جاءت الشرائع السماوية الأخرى تتفق على أن الحياة ليست ملكاً لأحد، وأن الاعتداء عليها انتهاك مباشر لكرامة الإنسان، وقد كرّست المواثيق الدولية المعاصرة هذا الفهم في موادها الأساسية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث ورد في مادته الثالثة: ” لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه “، وتحظر المادة الخامسة من نفس الإعلان جميع أشكال التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة، حماية لكرامة الإنسان، بينما تمنع المادة الثانية عشرة التدخل التعسفي في حياة الأفراد، سواء على مستوى الأسرة أو المراسلات أو السمعة، وما أن يُقرّ للإنسان بحق الحياة، حتى ينبثق عنه حق آخر لا يقل قداسة عنه إنه حق الكرامة الإنسانية، فالكرامة هنا ليست رفاهية، بل هي الدليل الحقيقي على إنسانية الإنسان، إنها القيمة التي تميّزنا عن سائر الكائنات، ولهذا نصّت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: ” جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهبوا عقلاً وضميراً “.
إن الاعتراف بحق الإنسان في الحياة لا يكتمل بالكلمات فقط، بل يجب أن يُترجم إلى التزام واقعي من قبل الدول والمجتمعات، فحماية الحياة تعني أكثر من منع القتل: تعني توفير الغذاء والدواء والأمن والتعليم والمساواة في الفرص، إنها مسؤولية جماعية تبدأ من أصغر أسرة وتنتهي عند أعظم هيئة دولية، وعلى الدول أن تسعى جدياً لحماية هذا الحق من كل تهديد: من الفقر، من الحروب، من الأوبئة، من التمييز، ومن الاستغلال بجميع صوره، فالحياة لا تُصان بالشعارات، بل بالعدالة الفعلية والرعاية المتكاملة والسياسات التي تضع الإنسان في صدارة الأولويات.
إن حق الحياة ليس مادة قانونية تُسجَّل على الورق، بل هو جوهر الوجود الإنساني، إنه أسمى ما يُمكن الدفاع عنه وأقدس ما يجب صونه، وبين تشريعات السماء ومواثيق الأرض تظل هذه الحقيقة ثابتة: الحياة هبة والكرامة امتداد والعدل مسؤولية، ومن لم يصن الحياة فقد خان جوهر الإنسانية.

















































عذراً التعليقات مغلقة