نزعة الاختلاف للصياغة والتعبير في ” رذاذ أبيض “

30 يوليو 2025
نزعة الاختلاف للصياغة والتعبير في ” رذاذ أبيض “

صور نثرية النص

عبدالنبي بزاز

المغرب

يتضمن ديوان ” رذاذ أبيض ” للشاعر العراقي نعمة حسن علوان العديد من الموضوعات التي صيغت في قوالب شعرية بلغة نثرية تنوعت أساليبها التعبيرية ، وتعددت صورها البلاغية التي أسهمت في إرساء إواليات نسق إبداعي يروم المغايرة والاختلاف عبر ما خلقه من أشكال وصيغ إبداعية تنأى عن المتبع والمألوف .

ولعل ما يطالعنا من أولى  النصوص هو موضوع الهوية في بساطتها : ” وأنا شاعر بسيط ” ص 6، والابتعاد عن الأضواء : ” لم أظهر كثيرا وراء المنصات … ولم أُدْعَ لمهرجانات ” ص6، واصطياد الجوائز : ” ولم أشترك في المسابقات ” ص 6، والتقرب من النقاد ، ومحاباتهم لترويج اسمه ، والرفع من أسهمه الإبداعية دون مراعاة قيمة وجودة منتوجه الأدبي في حقيقته جوهره ، ولب ماهيته ومحتوياته : ” ولا أسعى وراء النقاد ” ص 6، لإطالة مجد زائف ، وحيازة صفات وهمية ما تفتأ تمحي وتزول أمام تقلبات زمن الإبداع ، ومتغيرات أوضاعه حيث لا تقوى على ضمان إيقاع التجديد ، ومسايرة تحولاته ، مما يحول كل اهتماماته للتمحور حول الأنا ، وتحصينها من الانحراف عن مبادئ الإبداع الأصيلة ، وأسسه الراسخة : ” غير آبه إلا بي ” ص 14، دون الانجرار لأي انتماء ، أو تبعية تمسخ هويته ، وتنسف قيمها ومقوماتها  كما يبوح بذلك : ” أنا ، اللا منتمي لأحد” ص 14 . وارتباطا بخاصيات وميزات هوية الشاعر ، وما ترتهن إليه من مبادئ وقيم تنأى عن أي تموقع يزيغ بها عن جوهر حقيقتها الراغبة عن أي تبعية ، أو اصطفاف يجردها من أصولها الراسخة ، ويورطها في الارتماء في براثن إشعاع خادع ، وتألق مصنوع فإن شعره ينهل من أصالة متجذرة في عمق حسه وفكره المطبوع بصدقية التعبير وبساطته : ” وأنا أريد لنصوصي أن تكون بسيطة  شعبية ” ص 17، لتشكيل نصوص تنبع من صميم الوسط الذي ينتمي إليه ، وتعبر عن همومه وتطلعاته : ” تتسكع في شوارع شعبية ” ص17، وفتح جسور تواصل حميمي مع أناسه كسبة وجنود : ” ويمازح الكسبة والجنود ” ص 17.

 دون  الانجرار إلى دائرة الرسمي المبتذل : ” لا أكتب قصائد طويلة / القصائد الطويلة رسمية دائما ” ص 17، إرضاء لرغبات الجهات الرسمية ، وإشباعا لنزواتها العليلة ، والتي تثير مقته وازدراءه : ” تبصق على صور الدكتاتوريين / وتطلق شتائم بذيئة في وجوههم ” ص 17. وبعد استهلال الشاعر ديوانه بالإفصاح  عن هويته كشاعر، وكمبدع ، وما يميزه  من مواقف تتغيى  البساطة كسلوك وتعبير فلا يفوته التصريح بانتمائه لفن الشعر في مختلف تجلياته وتمظهراته باستحضاره لقاموسه الغني، ومعجمه المتنوع ، مما يعكس ارتهانه لهاجس الشعر الذي يطوق إحساسه ، ويسيطر على أفكاره ، ويشغل خواطره فلا يروق له الحديث إلا في حضرته : ” دائما ما أثرثر في حضرتك أيها الشعر / فتمسك أنت بتلابيبي “ص40، فلا يقوى على التخلص من  قوة سحره ، و سطوة جاذبيته ، مستلهما من سطوع حضوره ، وتوهج حضرته نواة نصوص يجاهد في رسم أشكالها ، ونحت تفاصيلها ، في تعقب أطياف عشق زئبقي ، ومطاردة استيهاماته على متن القصيدة وصهوتها : ” أو أتعقب أثرك على ظهر قصيدة ” ص 101، عبر لغة ترسم فسيفساءها ، ومتاهات امتداداتها ، والمعابر نحو عتباتها المحفوفة بألوان الدهشة ، الممهورة بمسوح الإبهار: ” ما فتئت أعلق على حبال اللغة / قصائدي الممسوسة ” ص 112، في محاولة لمخاتلة اللغة ، والتحايل على عناصرها لصياغة قصائد تطفح بنزوات العشق ، وتكتوي بوهج نضارته ، بل تطويعها للتعبير عن مكنونات دواخله ، ولواعج فؤاده : ” وأنا أحاول لي أذرع اللغة / ودق أعناق / القصائد ” ص133، دون إغفال ما تزخر به القصيدة ، كشكل تعبيري ، من موسيقى إيقاعية : ” أدوزن القصائد ” ص 64،  ” ننثر حولنا القوافي / فتخضر / حقول الشعر” ص 64، لتناط بالشاعر مهمة ضبط إيقاع القصيد لما يخلقه من أنغام تخلع عليها ألوانا من جمالية ، تسهم في مَوْسَقتها ؛ بل تخضرمعها حقول الشعر ، وتينع وروده ، وتزهر جنبات أديمه . وفي سياق ما هو شعري ، وبتساوق مع مكوناته الجمالية والدلالية تبرز العديد من الصور كما في نص ” شاعر بسيط ” : ” أتجول في مدينة لا تعرفني / وأنمو على أرصفتها كشبح أبيض ” ص 6، مما يضعنا أمام نسق تعبيري ينفتح على شتى ألوان القراءة والتأويل ؛ بحيث ينمو الشاعر على أرصفة المدينة فيما يشبه الشبح الأبيض بتحويل فعل النمو إلى سياق مختلف من حيث المعني بالنمو وهو الشاعر الذي ينمو فوق أرصفة المدينة مما ُيوَلِّد سؤالا ممزوجا بالغرابة : كيف ينمو الشاعر على أرصفة المدينة حاملا صفة شبح أبيض ؟ وفعل الولادة الذي يأخذ أبعادا أخرى في ارتباطه بحروف لم تكتب : ” أولد من الحروف التي لم أكتبها بعد ” ص 9، واستعارة العجلة للأيام في قوله : ” وتدفع عجلة الأيام بصبر أنيق ” ص32، ووصف الصبر بالأناقة ، واستعارة الأصابع كذلك للغة : ” مرت نصوصهم من بين أصابع اللغة ” ص 40 ،  ويصبح للكلمات جلد : ” ومثل إبرة ناعمة أغرز جلد الكلمات ” ص 46،   وللوقت غبار : ” وأنا الذي غطاني غبار الوقت ” ص 46 . صور لا تقتصر على الجانب الجمالي والبلاغي في الوصف والتصوير  بل  تجترح استعمالات تعبيرية مختلفة عما هو مألوف ومتبع في المتن الشعري بالتأسيس لتواصل مع مكونات طبيعية مثل السحاب : ” أنادي بصوت رخيم على سحابة تمر دون أن تبلل أفكاري ” ص 107، بتخيل لغة يفهمها السحاب ، والتي بدل أن تبلل الثياب تتحول لتبليل الأفكار ، مشاهد لا تني تتكرر كما في نهوض النعاس من نوم  استغرقه في حضن أهداب الأرق : ” حتى يستيقظ النعاس / من أهداب الأرق ” ص 73، فكيف للنعاس أن يستيقظ  ويهب من أهداب الأرق ؟! وما ينم عليه ذلك من ضم لأطراف متناقضة ؛ كالنوم واليقظة ، والصحو والأرق . فالنوم يقترن بوقت النعاس وليس اليقظة ، والذي يعاني من الأرق لا يستيقظ ولا يصحو . وكيف للظل( ظل الشاعر ) أن  ينام : ” في الغرفة المجاورة ينام ظلي مبكرا ” ص 134، والسير على العمر : ” وأنا هنا أذرع عمري ” ص 134، في تصوير لمشهد غريب ومختلف ، ومخاطبة الأرق : ” وأقول : على رسلك أيها الأرق ” ص 111، غرابة تتوالى مشهدياتها  في تصرفات من قبيل إزالة الوجه : ” بأن خلعت وجهي ” ص115، والركض  في شوارع  الرأس : ” وأنا أركض في شوارع رأسي ” ص132. وهي صور كثيرة تؤسس لاختلاف تعبيري اكتفينا بذكر نماذج منها . ولا تخلو من مسحة بلاغية باستخدام عناصر كالتشبيه في نص” شاعرية ” مثلا : ” دع شاعريتك تنساب كماء رقراق فوق صخرة ناعمة ” ص 5،مقترنا بأداة الكاف ، أو ب ” مثل ” في قوله : ”  أنا بمنأى عنك / مثل ألبوم ذكريات متروك ” ص 116، أو مجرد من الأداة : ” أتخيلك علامة فارقة ” ص 16 . كما تضمنت نصوص الديوان أسماء لأدباء بارزين كالقاص والروائي الفلسطيني غسان كنفاني : ” أنت تحدثني عن رسائل حب ــ غسان كنفاني ” ص105، والشاعر العراقي مظفر النواب ، و المخرج والممثل الأمريكي توم هانكس : ” ومظفر النواب / وأفلام( توم هانكس ) ص 105.فديوان ” رذاذ أبيض ” رغم طابعه النثري لا يخلو من نزعة بلاغية وجمالية من خلال الصور الغزيرة التي زخرت بها نصوصه التي أرست لبنات تجربة شعرية تقوم على نهج مختلف ومغاير صادر عن رؤية إبداعية رسمت أشكالا شعرية بأدوات وعناصر خالفت الأنماط المألوفة ، وانزاحت عن قواعدها المعهودة ، وضوابطها المعروفة. وقد صرح بذلك الشاعر بدءا بكتابة نص مفترض، أو مقترح  ، أو غير معلن عنه : ” أنا النص المفترض ، أو المقترح/ أو ربما غير المعلن عنه ” ص 121، في تقمصه وتماهيه مع النص : ” أنا النص المفترض …” ص121، إلى إنتاج النص المختلف : ” لكتابة نص مختلف ” ص 126

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com