إيمانك بذاتك سرّ نجاحك
أ.د. أحمد محمد القزعل
في عمق النفس البشرية ينبض دافع خفيّ، لا يُرى ولا يُمسّ، لكنه كفيل بأن يغيّر حياة الإنسان من حال إلى حال، إنه الإيمان بالنجاح، تلك الطاقة النابعة من الداخل، التي لا تنتظر تصفيق الآخرين ولا كلماتهم الحماسية، بل تستمدّ قوتها من الإيمان العميق بالقدرات الذاتية، ومن الرغبة الحقيقية في تحقيق الأهداف والارتقاء بالذات، فالتحفيز الذاتي ليس مجرد شعور عابر، بل هو حالة عقلية وروحية تبعث النشاط وتشحن المشاعر وتوقظ العزيمة في القلب، وتدفع بالفرد نحو الإنجاز والإبداع دون أن يكون مرهوناً بكلمة دعم أو نظرة إعجاب، هو استجابة داخلية لصوت الطموح الذي لا يهدأ، وتفاعل صادق مع الرغبة في أن يكون الإنسان أفضل نسخة من ذاته.
إن من يمتلك التحفيز الذاتي يدرك أهمية تحديد الأهداف بوضوح، ويعلم أن الطريق إلى القمة لا يُقطع بخطوة واحدة، بل بخطى صغيرة مدروسة، لذا يُجزّئ أهدافه الكبيرة إلى مراحل واقعية قابلة للإنجاز، ويجعل من التفكير الإيجابي رفيقاً دائماً له، فيغلق باب التشاؤم ويطرد العبارات السلبية من قاموسه اليومي، ويردد لنفسه وبكل ثقة : ” أنا قادر، أنا ناجح، أنا أستحق الأفضل “، وهنا تتجلى أهمية برمجة العقل الباطن بالكلمات والتصورات التي تغذي النجاح، فالمرء حين يكرر على نفسه رسائل إيجابية، يبدأ عقله بتصديقها، ثم تتجسد في أفعاله وسلوكياته وتصبح واقعه الملموس.
ولا يمكن إغفال دور اكتساب المهارات الجديدة والتعلّم المستمر في تعزيز هذا التحفيز، فكل مهارة جديدة تُكتسب تفتح آفاقاً أوسع، وتمنح الفرد شعوراً متجدداً بالكفاءة والثقة بالنفس، وتجعله أكثر قدرة على تجاوز العثرات ومواجهة التحديات، وكم من مرة نشعر بالرغبة في الإقدام على خطوة نعلم تماماً أنها مفيدة ومصيرية، لكن يعتلينا خوف داخلي، أو يتردد في أذهاننا صوت الضعف !، في هذه اللحظة لا تنتظر من أحد أن يقول لك: ” أنت تستطيع “، بل قف أمام مرآة نفسك وقلها بثبات: ” أنا أستطيع وسأفعل “. فالتشجيع الخارجي قد يكون محفزاً عابراً، أما التحفيز الذاتي فهو وقود دائم لا ينضب، ومن الجمال في هذا السياق أن نجد أن الإسلام قد شجع على التحفيز الذاتي بأسلوب ربانيّ متفرّد، من خلال التوجيه إلى الصبر والتوكل والعمل الجاد والسعي والاعتماد على النفس، فقال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ” (آل عمران: 200)، وفي موضع آخر: ” فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ” (آل عمران: 159)، وهذه التوجيهات الإلهية تغرس في النفس اليقين بأن الجهد لا يضيع، وأن الله مع الساعين بصدق وإخلاص، فيزداد الإنسان تحفيزاً وإصراراً على بلوغ مراده.
ولا شك أن الأشخاص الذين يتمتعون بتحفيز ذاتي قويّ هم الأكثر قدرة على تحقيق الإنجازات، وهم من ينهضون بعد السقوط، ويتعلمون من الفشل، ويجدون في كل تحدّ فرصة، وفي كل عقبة درساً يقوّيهم لا يُضعفهم، وهؤلاء لا ينتظرون من الحياة أن تعطيهم، بل يسعون لأخذ فرصهم بوعي وجهد، وكما أن للتحفيز الذاتي دوراً عظيماً في تعزيز الصحة النفسية، إذ يخفف من التوتر ويمنح الشعور بالسيطرة على الحياة، ويقلل من مشاعر الإحباط والاعتماد المفرط على الآخرين، إنه يبني في الداخل قلاعاً من الثقة تحمي النفس من الانهيار في وجه الظروف وتمنحها مرونة عالية في التعامل مع المتغيرات.
إن الإيمان بالذات كأداة فعالة لتحقيق النجاح هو مهارة يمكن تعلّمها وسلوك يمكن ترسيخه بالتدريب والممارسة اليومية، فابدأ يومك بكلمة طيبة لنفسك، وامنح روحك جرعة إيمان بقدراتك، ولا تنسَ أن تتوكل على الله وتبذل ما في وسعك، فمن حلال التوكل والعمل والإرادة تُصنع المعجزات.

















































عذراً التعليقات مغلقة