رحيل زياد الرحباني: آخر المتمردين يطفئ بيانو الغضب

27 يوليو 2025
رحيل زياد الرحباني: آخر المتمردين يطفئ بيانو الغضب


إعداد: سلوى المجاهد

كاتبة من المغرب 

المقال خاص لصحيفة قريش – لندن

“إن الفنان، حين يختار الصمت في وجه القبح، لا يُنتج جمالًا… بل خيانة.””

جان بول سارتر

“الفن الحقيقي لا يولد من الراحة، بل من القلق. لا من الرضا، بل من الغضب. وأعظم الفنانين هم أولئك الذين يحملون جراح عصرهم، ويرفضون أن يكونوا مجرد مرايا جميلة لواقع قبيح. إنهم الذين يختارون أن يكونوا شوكة في حلق السلطة، وصوت الصامتين، ومرآة الحقيقة العارية مهما كانت مؤلمة.”

زياد الرحباني كان تجسيداً حياً لهذا المفهوم. لم يكن فناناً يبحث عن التصفيق، بل مفكراً يستخدم الفن كسلاح. لم يكن مؤدياً، بل محارباً يقاتل بالكلمة واللحن والموقف. في زمن صار فيه الفن تجارة، والفنان بضاعة، والجمهور زبائن، وقف زياد كحارس أخير لمعنى الفن الملتزم: الفن الذي يغير، لا الذي يسلي. الفن الذي يوقظ، لا الذي ينوّم. الفن الذي يقاوم، لا الذي يستسلم.

ورحيله اليوم ليس مجرد فقدان صوت فني، بل فقدان منارة فكرية أضاءت طريق جيل كامل من المتمردين والحالمين والرافضين للواقع المفروض عليهم.

عندما يموت متمرد… يموت زمن بأكمله

في الخامس والعشرين من تموز، لم تفقد بيروت مجرد فنان. فقدت ضميرها الأخير. فقدت آخر من يجرؤ على قول “لا” في وجه الجميع. فقدت الصوت الوحيد الذي بقي يصرخ في وجه الصمت الجماعي.

صمت البيانو. توقفت الأصابع التي عزفت لخمسة عقود لحن الغضب والحب والتمرد. انطفأت العينان اللتان رأتا ما لم نجرؤ على رؤيته، وصمت الصوت الذي غنى ما لم نستطع قوله.

زياد الرحباني لم يمت موت الفنانين العاديين. مات موت الأنبياء المنفيين، موت المتمردين الذين يحملون عبء الحقيقة حتى آخر نفس. مات وهو يحمل على كتفيه أوجاع جيل كامل، أحلام مكسورة، وأغان لم تُكتب بعد.

رحل الرجل الذي رفض أن يكون نسخة جميلة من أسطورة العائلة، واختار أن يكون جرحاً مفتوحاً في وجه المجتمع. الذي قال لفيروز: “أمي، سأغني بطريقتي”، وللجمهور: “لن أكون ما تريدونني أن أكون”، وللسلطة: “لن أصمت”.

اليوم، تبكي بيروت آخر شهودها على زمن كان فيه للفن موقف، وللكلمة وزن، وللصمت معنى. تبكي الرجل الذي حول البيانو إلى منبر، والأغنية إلى بيان، والمسرح إلى محكمة للضمير الجماعي.

هذا ليس مجرد نعي… هذا وداع لزمن

ولادة متمرد في رحم الأسطورة

في بيروت عام 1956، خرج زياد عاصي الرحباني إلى النور من قلب زواج أسطوري جمع صوت الملائكة فيروز بعبقرية عاصي الرحباني. لكن الطفل الذي نشأ بين أنغام “يا مسافر” و”عاصفور صغير” قرر منذ البداية أن يسلك طريقاً مغايراً. كان أول إبداعاته المسرحية “سهرية” عام 1973 بمثابة إعلان استقلال فني، ورسالة واضحة: لن أكون نسخة مكررة، بل صوتاً جديداً يحمل أوجاع جيل مختلف.

منذ شبابه المبكر، أظهر زياد حساسية مفرطة تجاه التناقضات الاجتماعية والسياسية. كان يراقب لبنان بعين ناقدة، يرى ما وراء البريق السطحي، ويسمع أنين الطبقات المسحوقة تحت ضجيج الاحتفالات الفارغة.

من ” لبنان الحلم” إلى لبنان الحقيقة: مسرح العري والمواجهة

بينما رسم الأخوان رحباني صورة حالمة للبنان الأرز والمحبة، اختار زياد أن يعرّي الوجه الآخر: بلد الحرب الأهلية المدمرة، والطائفية المدمرة، والانتهازية السياسية التي تنهش في جسد الوطن. في مسرحياته الاستثنائية “نزل السرور” (1974)، “بالنسبة لبكرا شو؟” (1983)، و”فيلم أميركي طويل” (1980)، شكّل مع رفاق دربه المسرحي – جوليا قصار، رندا أسمر، رفيق علي أحمد وآخرين – تجربة مسرحية فريدة جمعت بين الذكاء الحاد والسخرية السوداء.

لم تكن هذه المسرحيات مجرد ترفيه مسائي، بل مرايا قاسية تعكس واقعاً مؤلماً. كانت نكتة سوداء ممزوجة بالغضب، حيث يتراقص القمع مع المقاومة، والهزيمة مع الحب، والغباء المؤسسي مع التواطؤ الجماعي. في كل مشهد، كان زياد يقشر طبقات الزيف الاجتماعي، مكشوفاً عن الجراح النازفة تحت مساحيق الحضارة المدّعاة.

ثورة موسيقية: عندما التقى الجاز بالوجع اللبناني

في عالم الموسيقى، لم يكن زياد أقل تمرداً. كسر القوالب التقليدية وأدخل أنماط الجاز والبلوز والموسيقى الغربية في نسيج لبناني معقد، تارة حزين كعويل الريح في جبال الشوف، وتارة ساخر كضحكة مجروح يداوي نفسه بالتهكم.

ألبوماته مثل “إلى عامل المينا” (1983) و”مونودوز” (1991) حملت بصمته الفريدة: ألحان معقدة تشبه متاهات الحياة، كلمات بسيطة تخفي عمق الفلسفة، وإيقاعات تضرب كنبضات قلب غاضب. كان يخلق موسيقى لا تُرقص عليها، بل تُفكر معها، لا تُغنى في الأعراس، بل تُسمع في لحظات الوعي المرير.

ولعل أشهر تحدياته الفنية والفكرية أغنية “أنا مش كافر”، حيث غنى بصوت متحشرج من الصدق:

*”أنا مش كافر، بس الجوع كافر*  

*والذلّ كافر، والمرض كافر”*

كانت قصيدة عارية، بلا مساحيق ولا مجاملات، تلخص فلسفة حياة كاملة في كلمات قليلة.

الأم والابن: عندما التقت فيروز بالتمرد

رغم صراعاته الفكرية مع المدرسة الرحبانية التقليدية، لم ينقطع زياد عن والدته فيروز. بل قدم لها ألحاناً مغايرة شكّلت منعطفاً جديداً في مسيرتها الاستثنائية. في أغان مثل “كيفك إنت؟” و”عودك رنان” و”بكتب اسمك يا حبيبي”، نجح في تقديم صوت فيروز من زاوية أكثر عصرية ووجعاً، دون أن ينتقص من هيبتها أو يشوه سحرها.

كان يكتب للملكة بعين العاشق المتمرد، يحافظ على جلالها بينما يضفي عليها لمسة من روحه القلقة. كانت تلك التجربة بمثابة جسر بين جيلين: جيل الحلم الجميل وجيل الواقع المرير.

الموقف السياسي: يساري بلا حدود حزبية

ظل زياد طوال حياته منحازاً للطبقة المسحوقة، متماهياً مع صرخات المهمشين والفقراء. ارتبط بالحزب الشيوعي اللبناني لفترات طويلة، لكنه لم يتردد في نقد اليسار المنكفئ والمتحجر. كان يوجه سهامه حتى لمعسكره الفكري عندما يراه ينحرف عن مبادئه الإنسانية.

حتى في مواقفه المثيرة للجدل، مثل تعاطفه مع “حزب الله” في السنوات الأخيرة، فعل ذلك بطريقته الإشكالية المعتادة، دون حسابات العلاقات العامة أو التبريرات الجاهزة. كان يقول ما يؤمن به، حتى لو كلفه ذلك انتقادات حادة من أقرب المقربين إليه.

رحيل المتمرد: خسارة موقف قبل أن تكون خسارة فن

زياد الرحباني لم يكن فناناً يبحث عن الإعجاب والتصفيق الحار، بل عن الحقيقة المرة، حتى لو كانت مؤلمة ومنفرة. رفض أن يكون نجماً لامعاً على السجادة الحمراء، وآثر أن يبقى ذلك العازف المنطوي، الذي يقف خلف بيانوه المتهالك، خجولاً من الأضواء، مشغولاً بتفكيك الأوهام وكشف الحقائق المخفية.

كان فناناً يشبهنا في لحظات غضبنا الصادق، وفشلنا الجميل، وضحكنا المرّ على هزائمنا الجماعية. مع رحيله، يفقد المشهد الثقافي العربي صوتاً نادراً، صوتاً لا يهادن ولا يجامل، صوتاً يجرح ليداوي، ويهدم ليبني.

الخلود في الذاكرة: أصوات لا تموت

لكن صوت زياد، مهما خفت، لن يُمحى من الذاكرة الجماعية. ستبقى مسرحياته تُعرض في المسارح الصغيرة، وستبقى أغانيه تُبث في المقاهي الشعبية، وسيتذكره كل من قال يوماً: “لا” في وجه الظلم، أو رفض أن يكون نسخة مكررة من الآخرين.

زياد الرحباني لم يمت. انتقل فقط من البيانو الخشبي إلى بيانو الذاكرة، حيث ستعزف أصابعه اللحن الأبدي للمتمردين والحالمين والغاضبين الذين يرفضون أن يستسلموا لقبح العالم.

****

محطات مضيئة من حياة زياد الرحباني :

1956 – وُلد زياد عاصي الرحباني في بيروت، ابن السيدة فيروز والموسيقار عاصي الرحباني.

1963 – عزف لأول مرة إلى جانب والدته في تسجيل أغنية “سكن الليل”.

1973 – كتب أول مسرحية له بعنوان “سهرية”، وقدّمت في ذروة الحرب اللبنانية .

1974 – أخرج وكتب مسرحية “نزل السرور” التي شكلت نقطة تحوّل في المسرح السياسي الساخر.

1980 – أطلق مسرحيته الشهيرة “فيلم أميركي طويل”، وهي من أكثر أعماله نقدًا للحرب الأهلية والطائفية.

1981 – قدّم أول تعاون له مع فيروز في ألبومها “وحدن” .

1983 – عرض مسرحيته “بالنسبة لبكرا شو؟” التي رسّخت مكانته كأهم كاتب مسرحي سياسي في لبنان.

1987 – أصدر أغنية “أنا مش كافر”، التي أثارت جدلاً واسعًا واعتُبرت تحديًا للخطاب الديني والسياسي

1991 – أصدر ألبوم “مونودوز” الذي احتوى على مقطوعات موسيقية حرة ذات طابع سوداوي/جازي .

1998 – أطلق ألبومًا غنائيًا جديدًا بعنوان “بما إنو”، عاد فيه إلى نقد الواقع العربي .

2000 – عاد إلى العمل المسرحي والموسيقي بشكل متقطع، وأدلى بعدة مواقف إعلامية مثيرة للجدل سياسيًا

2019 – أعلن اعتزاله العمل السياسي والإعلامي مؤقتًا، لكنه ظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية اللبنانية والعربية.

2025 – توفي في بيروت عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد صراع مع المرض، وسط حداد فني وثقافي واسع في الوطن العربي.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com