سلوى المجاهد.. في معالجة لتراجع الاهتمام بالثقافة ..الأمل بالشعر

10 يوليو 2025
سلوى المجاهد.. في معالجة لتراجع الاهتمام بالثقافة ..الأمل بالشعر

يبقى الشعر هو الأمل الأخير في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجمال والمعنى

حين تُكمم القصيدة ويُصفّق للابتذال

سلوى المجاهد

كاتبة من المغرب 

يقول “آلان دونو” في كتابه “نظام التفاهة“:

“إن التافهين قد حسموا المعركة لصالحهم في هذه الأيام، لقد تغير الزمن زمن الحق والقيم ، ذلك أن التافهين أمسكوا بكل شيء، بكل تفاهتهم وفسادهم؛ فعند غياب القيم والمبادئ الراقية، يطفو الفساد المبرمج ذوقاً وأخلاقاً وقيماً؛ إنه زمن الصعاليك الهابط”، فكلما كان التعمق في الإسفاف والابتذال والهبوط كلما ازدادت الشهرة والجماهيرية وهكذا نجحت “مواقع التواصل في ترميز التافهين، حيث صار بإمكان أي جميلة بلهاء، أو وسيم فارغ أن يفرضوا أنفسهم على المشاهدين، عبر عدة منصات تلفزيونية عامة، هي أغلبها منصات هلامية وغير منتجة، لا تخرج لنا بأي منتج قيمي صالح لتحدي الزمان…”

“حين يُغيب الشعر، لا يتوقف الحلم فقط، بل تتوقف القدرة على طرح الأسئلة.” إدوارد سعيد

****

في زمن تُدار فيه الثقافة بمنطق السوق، ويُختزل الفن في عدد المتابعين وسطوع الأضواء، يُخنق الشعر تحت الركام، وتُؤجَّل القصيدة كما تُؤجل الأحلام في المجتمعات المتعبة. 

إعلان جمعية أصدقاء المعتمد عن تأجيل الدورة 36 من المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون، والذي كان مقرّرًا بين 11 و13 تموز/ يوليو 2025 تحت شعار: “67 سنة من الإبداع والتفرّد في الصناعة الثقافية”، لم يكن مجرد خبر عابر، بل كان إعلانًا صريحاً بأن الدولة لم تعد ترى في الثقافة استثماراً ذا جدوى.

رغم تحضيرات الجمعية التي شملت الجانب الأدبي واللوجيستي والتنظيمي، ورغم التواصل مع شعراء ونقاد وصحافيين من مختلف المدن، اصطدمت الإرادة الثقافية بجدار الصمت الرسمي. عمالة إقليم شفشاون، المجلس الإقليمي، الجماعة الحضرية، مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، المديرية الجهوية للثقافة، غابوا عن الموعد، وكأن القصيدة لا تعنيهم. حتى الدعم القادم من وزارة الثقافة، وإن تم الإعلان عنه، لم يكن كافياً لتغطية مصاريف تليق بمهرجان هو الأقدم شعرياً في المغرب، والأكثر حضوراً في ذاكرة المدينة.

هذا الصمت والتجاهل يشكّلان صفعةً لما راكمه المهرجان من رمزية وصمود طيلة ستة عقود. منذ عام 1965، لم يكن مهرجان شفشاون احتفالًا عابرًا بالشعر، بل كان ذاكرة حية، ومنبرًا للقول المختلف، ومنصة للقاء بين الأجيال والتيارات. كان شرفًا أن يُعقد سنويًا، رغم قلة الإمكانيات، لأنه يُقيم في وجدان المغاربة لا في ميزانياتهم. لقد احتضن هذا المهرجان العريق أجيالًا متعاقبة من الشعراء، من الرواد الكبار الذين أسسوا للحداثة الشعرية المغربية، إلى الأصوات الشابة التي تسعى لإعادة تشكيل المشهد الشعري المعاصر.

منصات

كان المهرجان، على مر العقود، يمثل نافذة حقيقية للتبادل الثقافي بين المغرب والعالم العربي، حيث تلاقت القصائد المغربية مع نظيراتها من المشرق والمغرب العربي، وتشابكت الأصوات الشعرية في حوار إبداعي مثمر. شهدت قاعات المهرجان وأزقة شفشاون الزرقاء أمسيات شعرية لا تُنسى، حيث تردد صدى قصائد خالدة لشعراء عرب كبار، وولدت صداقات أدبية عميقة عبرت الحدود الجغرافية والثقافية. لم يكن المهرجان مجرد حدث محلي، بل كان ملتقى عربيًا يجتمع فيه محبو الشعر من كل حدب وصوب، يتبادلون الأفكار والرؤى، ويناقشون قضايا الشعر والأدب والحياة.

لعب المهرجان دورًا محوريًا في تنشيط الحركة الثقافية بمنطقة شمال المغرب، حيث وفر منصة للشعراء الشباب لتقديم أعمالهم أمام جمهور متذوق، مما ساهم في إطلاق مسيرة العديد من الأسماء الشعرية التي أصبحت فيما بعد علامات بارزة في المشهد الأدبي المغربي والعربي. كان المهرجان بمثابة مدرسة شعرية مفتوحة، حيث يلتقي الشعراء الناشئون بالأساتذة والرواد، ويتعلمون من خبراتهم، ويتشربون من تجاربهم الغنية في عالم الشعر والأدب.

كما لعب المهرجان دورًا مهمًا في الحفاظ على الهوية الثقافية المغربية والعربية، في عصر العولمة والتغيرات السريعة. كان بمثابة حصن ثقافي يحمي اللغة العربية ويعزز مكانتها كلغة إبداع وفكر، ويحتفي بالتراث الشعري العربي الأصيل، مع انفتاحه على التجارب الحديثة والمعاصرة. لقد نجح المهرجان في خلق توازن دقيق بين الأصالة والمعاصرة، بين الحفاظ على التراث والانفتاح على الجديد، مما جعله نموذجًا يُحتذى به في المشهد الثقافي العربي.

وفي المقابل، نشهد اليوم إنفاقًا باذخًا على مهرجانات استعراضية، تُكرَّم فيها التفاهة، ويُصنع فيها من الهشاشة رموزًا. رأينا العاصمة الرباط في الأسابيع الماضية وقد عاشت حالة غير عادية تحضيرا لحفل سيقام بساحة السويسي، إذ اعتلى «طوطو” المنصة، “SALGOT” مرتديًا قميصًا كتب عليه ” سلكوط”  على شكل نجمة العلم المغربي. A وقد رسم الحرف .    

سلوك لا يحمل فقط استخفافًا بالذوق العام، بل أيضًا احتقارًا للرموز الوطنية. هذا الفنان الذي يمثل نموذجًا للخفة والابتذال، والذي يروج للغة السوقية والقيم الهابطة، يحصل على ملايين الدراهم من المال العام، بينما الشعر، الذي يمثل أعلى مراتب التعبير الإنساني، يُحرم من أبسط أشكال الدعم.

مستحقات.. ماذا ولمن؟

في ذات المناسبة رأينا الفنانة المصرية “شيرين عبد الوهاب” ترفض الصعود إلى المنصة قبل أن تستلم كامل مستحقاتها المالية الباهظة، ثم تشرع في الغناء بتقنية “البلاي باك” وسط تصفيق صاخب، في مشهد لا يخلو من ازدراء لجمهور المهرجان، واستخفاف بالمنظمين، وبالمواطن المغربي عموما. تغادر بعد ذلك محمّلة بالملايين، بينما القصيدة تُمنع من الكلام، ويُؤجَّل المهرجان لأن “الدعم غير كافٍ.” 

هذه المفارقة المرة تكشف عن خلل عميق في فهم دور الثقافة في المجتمع، وعن انقلاب في سلم القيم والأولويات. كيف يمكن لمجتمع أن يستمر في النمو والازدهار حين يُهمش الشعر والأدب، وتُمنح الأولوية للتفاهة والابتذال؟ كيف يمكن لأمة أن تحافظ على هويتها وثقافتها حين تُعادي الكلمة الحرة، وتُكرم الكلمة المزيفة؟

الشعر، بطبيعته، لا يدر الأموال بالطريقة التي تدرها الصناعات الترفيهية الأخرى، لكنه يزرع المعنى في النفوس، ويهز القلوب بالكلمة الصادقة، ويبني الوعي الجمالي والثقافي للأجيال. لا يحتاج الشعر إلى مسارح ضخمة أو إضاءة فاخرة، لأنه يولد في الظل، ويكبر في الصمت، ويصمد في الذاكرة الجمعية. الشعر هو الذي صاغ ملاحم الحضارات، ودوّن ثورات الشعوب، ورثى الشهداء، وحرّض على الحلم. هو الذي حفظ التاريخ والهوية، وأعطى للغة العربية جماليتها ورونقها.

الشعر هو أول ما كتبه الإنسان حين بدأ يسائل وجوده، وهو آخر ما سيبقى حين تنهار الحضارات وتتلاشى الإمبراطوريات. إنه الصوت الأعمق في النفس البشرية، الذي يعبر عن أشواقها وآلامها، عن أحلامها ومخاوفها، عن حبها وكراهيتها. إنه اللغة التي تتحدث بها الروح حين تعجز الكلمات العادية عن التعبير. إنه النور الذي يضيء الظلمات، والأمل الذي يبقى حين تنطفئ كل الأضواء.

قال جورج أورويل: “في زمن الخداع يصبح قول الحقيقة عملًا ثوريًا.” والحقيقة أننا أمام سياسة ثقافية تُقصي الجوهر وتُداري القشور. ما يحدث ليس مجرد غياب ميزانية، بل تغييب متعمد للمعنى. فحين يُؤجل مهرجان شعري بهذه العراقة، فإن الرسالة واضحة: لا حاجة لنا بمن يوقظ، نريد فقط من يُبهر. هذا التغييب المتعمد للشعر والثقافة الحقيقية يعكس رؤية قاصرة تعتبر الثقافة مجرد ترف يمكن الاستغناء عنه، وليس ضرورة حضارية لا غنى عنها.

تأجيل مهرجان الشعر بشفشاون يرسل رسالة خاطئة للأجيال الشابة، مفادها أن الثقافة الحقيقية غير مرغوب فيها، وأن الطريق إلى النجاح يمر عبر الابتذال والتسطيح. هذا الأمر له تداعيات خطيرة على تشكيل الذوق العام وعلى مستقبل الثقافة في المغرب. عندما نُغلق أبواب الشعر ونفتح خزائن الدولة لمهرجانات تفرغ الثقافة من معناها، فإننا نساهم في تشكيل جيل منقطع عن جذوره الثقافية، غير قادر على التمييز بين الغث والسمين، بين الفن الحقيقي والتسويق الرخيص.

كما أنّ هذا التأجيل لا يمكن اعتباره مجرد حدث محلي، بل هو جزء من ظاهرة أوسع تشمل تراجع الاهتمام بالثقافة الحقيقية على مستوى العالم العربي. هذا التراجع يعكس أزمة عميقة في فهم دور الثقافة في التنمية والتطور، وأزمة في ترتيب الأولويات الحضارية. إن الدول التي تتقدم وتزدهر هي التي تستثمر في الثقافة والتعليم والإبداع، وليس التي تصرف مليارات الدولارات على الاستعراضات الفارغة والمهرجانات الاستهلاكية.

السطحي والعقل

ربما أكثر ما يحتاجه الشباب المغربي اليوم هو وجود قدوة حقيقية، شخصيات تُلهمهم وتفتح أمامهم آفاق الفكر والإبداع، لا رموزًا هشة وزائفة ترمز إلى التدهور الثقافي والانحدار القيمي. هم بحاجة إلى من يُشعرهم بقيمة الكلمة النزيهة، بجمال التعبير الذي لا يساوم، وبأهمية التفكير النقدي الذي يفتح العقول بدل أن يملأها ضجيجًا. ليسوا بحاجة إلى من يبيعهم أوهامًا عن الشهرة السريعة، أو يجرّهم إلى عوالم السطحية والاستهزاء بالعقول من أجل حفنة من المشاهدات.

وعبر تاريخه، لم يكن مهرجان شفشاون مجرد تظاهرة فنية، بل كان مدرسة حقيقية للحياة. هناك، يتعلّم الشباب مباشرة من الشعراء، لا من كتب مدرسية جافة، ويكتشفون من خلال القصائد عوالم غنية بالمعرفة والجمال. لقد كان الشعر يُقدَّم لهم كخبرة معيشة، لا كمجرد كلمات منمقة تُلقى على المنصات. وكان الشاعر يُقدَّر بصفته ضميرًا حيًّا، يحمل هموم أمته ويعبّر عن قضايا عصره، لا كمن يلهث خلف الشهرة أو ينجرف وراء الأضواء البراقة.

 إنّ الأمم التي تحترم شعراءها وأدباءها هي الأمم التي تحترم نفسها، وتقدر قيمة الكلمة والفكر. هي الأمم التي تدرك أن الثقافة ليست رفاهية، بل ضرورة حيوية لبقاء الأمة وازدهارها. إن الشعوب التي تنسى شعراءها هي شعوب محكوم عليها بالنسيان، لأن الشعراء هم ضمير الأمة وذاكرتها الحية.

لذلك فإن المغرب، بتاريخه العريق وحضارته الغنية، يستحق أفضل من هذا. يستحق سياسة ثقافية تقدر قيمة الإرث الحضاري، وتحترم الإبداع الحقيقي، وتدعم المبدعين والمثقفين. يستحق سياسة حكومية تضع الثقافة في مقدمة أولوياتها، وتعتبرها استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل البلاد. يستحق مهرجانات تليق بمكانته الحضارية، وتعكس عمق ثقافته وتنوع إبداعه.

الموت الروحي

نحن غاضبون، نعم. لا لأننا رومانسيون أو متشبثون بالماضي، بل لأننا ندرك أن الشعوب لا تنهض إلا حين تُصغي إلى صوتها الداخلي. القصيدة ليست ترفًا ثقافيًا، بل شهادة وجود، ومقاومة ناعمة ضد التفاهة. وكما قال نيتشه: “نملك الفن كي لا نموت من الحقيقة.” إن الشعر هو الذي يحمينا من الموت الروحي، ويحفظ لنا إنسانيتنا في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التشييء والاستهلاك.

ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الدفاع عن الشعر ومهرجان شفشاون ليس مجرد دفاع عن حدث ثقافي، بل دفاع عن الحق في الحلم، والحق في الجمال، والحق في الكلمة الحرة. إنه دفاع عن قيم الأصالة والإبداع في مواجهة قيم الاستهلاك والابتذال. إنه دفاع عن مستقبل الثقافة المغربية والعربية، في مواجهة المحاولات المستمرة لتهميشها وإقصائها.

القصيدة لا تُؤجَّل. بل ترفضه. لأنها ليست برنامجًا في لائحة ميزانية، بل بوصلة تحمينا من التيه. هي ما سيبقى، يوم تتآمر علينا الظروف، ومهما حاولت القوى المعادية للثقافة إقصاءها. ستبقى في قلوب محبيها، وفي أرواح المبدعين، وفي ذاكرة الأجيال. لأن الشعر، كما قال أدونيس، “هو الذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش.” وحين تتوقف الحياة عن أن تكون جديرة بأن تُعاش، يبقى الشعر هو الأمل الأخير في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجمال والمعنى.

المقال خاص لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com