أ.د. أحمد محمد القزعل
بر الوالدين هو سِر الإحسان الذي لا يفتر وبستان التربية والرعاية، ولقد جعل الإسلام طاعة الوالدين من أعظم القربات التي تقرب العبد إلى خالقه، ولعل تخصيص حالة الكبر بالذّكر في قوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}[سورة الإسراء:23]، يدلّ على معنى عظيم يبيّنه الإمام القرطبيّ – رحمه الله – بقوله: “خصّ حالة الكبر؛ لأنّها الحالة الّتي يحتاجان فيها إلى برّه؛ لتغيّر الحال عليهما بالضعف والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مّما ألزمه من قبل؛ لأنّهما في هذه الحالة قد صارا كَلّاً عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما يحتاج في صغره أن يليا منه؛ فلذلك خصّ هذه الحالة بالذّكر”
كما أن حق الوالدين يعد من أسمى الحقوق وأجلها بعد حق الله تعالى، فقد حثت عليه الشريعة الإسلامية وأمرت بالبرّ والإحسان إليهما، وجعلت له منزلة عظيمة في ميزان الأعمال، وثمنت من قام به وأثنت عليه بأسمى عبارات الثناء، ومع كل ما يبذله الولد من خير وأعمال صالحة تجاه والديه، يظل مقصّراً بحقهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( لا يجزي ولد والداً إلّا أن يجده مملوكاً؛ فيشتريه فيعتقه) (سنن الترمذي، رقم: 1907) .
ولقد أوضح الإسلام جلياً أن خدمة الوالدين والاهتمام براحتهم والإنفاق عليهم لا يعد مجرد فعل رحمة إنسانية، بل هو فريضة دينية متجذرة في الفطرة السليمة والقيم النبيلة، التي رسّختها النصوص الشرعية وأعطت البرّ والإحسان إليهما منزلة رفيعة في سلم الطاعة والمحبة، ليكونا بذلك مفتاحاً للسعادة في الدنيا والآخرة، فعن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، يستأذنه في الجهاد فقال صلّى الله عليه وسلّم: ( أحيّ والداك؟ ) قال: نعم، قال صلّى الله عليه وسلّم: ( ففيهما فجاهد ) (صحيح البخاري، رقم:( 3004) .
وفيما رواه البخاريّ أنّ رجلاً كان يطوف بالبيت العتيق، وقد حمل أمّه وراء ظهره يقول: “
إنّي لها بعيرها المذلّل إن أذعرت ركّابها لم أذعر
ثمّ قال: يا ابن عمر أتراني جزيتها ؟ قال: لا ولا بزفرة واحدة ….” (الأدب المفرد، البخاري، رقم: 11).
وبرّ الوالدين لا ينقطع برحيلهما عن الدنيا، بل يمتد ويستمر بعد وفاتهما عبر الدعاء لهما بالرحمة والمغفرة، وصلة أرحامهما، وإكرام أصدقائهما وأقاربهما، تكريماً لذكراهما ووفاءً لفضلهما العظيم، مما يعكس بُعداً روحياً سامياً يستمر في بث البر والنور في حياة الأبناء، ويجعلهم مستمرين في أداء حق والديهم بكل حب وإخلاص، وفيما رواه البخاريّ بسنده أنّ رجلاً قال: يا رسول الله هل بقي من برّ أبويَّ شيء بعد موتهما أبرّهما؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: ( نعم خصال أربع: الدّعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما، وصلة الرّحم الّتي لا رحم لك إلّا من قبلهما ) (الأدب المفرد، البخاري، رقم: 35).
حقاً فإن برّ الوالدين لا يشيخ ولا يذبل مع مرور الزمن، بل يزداد نوراً وتألقاً في القلب مهما تعاقبت الأيام، وكم بذل والدك من عمره ليضمن راحتك وأمانك، وكم سهرت والدتك تواسيك بحنانها ودفء قلبها، أليس من العدل أن تعيد لهما قليلاً من ذلك الحنان، وأن تمنحهما بعضاً من الراحة والعناية التي يستحقانها بعد كل ما قدموه من تضحيات لا تُقدّر بثمن !؟ .

















































عذراً التعليقات مغلقة