: الدكتور نزار محمود

ان تناول مثل هكذا موضوع، بعد ما ما يقرب من السبعين عاماً، لا يمكن تصنيفه الا من قبيل: سوالف دفاتر عتيقة! بيد ان لهذه السالفة التي ما يزال يعيش آثارها وذكراها الكثيرون ما زالت ذات قيمة سياسية ووطنية ووجدانية.
يعرف الكثيرون الموقف الرافض والمحارب لنظام العهد الملكي للشيوعيين.، وذلك لإسباب فكرية وموقف وطني تحكمه علاقة بريطانيا الغربية الاستعمارية، البلد المحتل والمؤسس والحامي لنظام الحكم الملكي في العراق. كما يعرف أولئك كذلك افكار واهداف وتطلعات الحزب الشيوعي العراقي وخصوصيات أعضائه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجهة الخارجية الداعمة له، وموقفه من الدين ومنظومات الاخلاق السائدة آنذاك.
حدث انقلاب 14 تموز عام 1958 في فورة دعوات التحرر الوطني في كثير من دول العالم الثالث حينها، ومنها العديد من الدول العربية التي تشكلت على اثر ما انتهت اليه نتائج الحربين العالميتين، وفي الوانه الوطنية والقومية واليسارية والدينية والليبرالية. وكان الشارع العراقي حينها يموج بجميع تلك الألوان، وهكذا كانت كذلك مجموعة ما اطلق عليهم بالضباط الاحرار الذين قاموا بذلك الانقلاب على العهد الملكي، معلنين بذلك قيام العهد الجمهوري. كما كان افراد تلك المجموعة من الضباط، في غالبيتهم، ممن بنحدرون من طبقات وشرائح متوسطة الى فقيرة، غير ارستقراطية وغير مالكة أو مهيمنة.

وما ان انتهى الانقلاب بتسلم الضباط الاحرار مقاليد الحكم، وانتهت العائلة الهاشمية المالكة بالصورة الحزينة المؤلمة، حتى بدأت بوادر الاختلافات تطفو فوق سطح الثورة في اتجاهاتها القومية والدينية والشعوبية، وربما كان ابرزها الخلاف بين قياديي الانقلاب، عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، وبين القوميين ومنهم البعثيين والشيوعيين. هذه الاختلافات سرعان ما تحولت، وبفعل العامل الشخصي في خنادقها والصراع على السلطة، الى خلافات وتخندقات، لا بل ونزاعات وحتى صراعات دموية. ولم يكن المحيط الاقليمي والدولي بالمغمض عينيه عن ذلك، والمتجنب الذي لا يحرك ساكناً.
وهكذا اذن استوجب الأمر قيام التحالفات والتخادمات السياسية، في موضوعية وتكتيكية، صادقة وغير صادقة.
لقد كانت لعبدالكريم قاسم حاجته الواقعية والماسة الى عمق جماهيري ومد سياسي للوقوف في وجه التيارات القومية والعشائرية والدينية والاجتماعية المهيمنة، وكان لمناوئيه كذلك تكتيكاتهم وبحثهم عن أنصار يلتقون معهم هنا وهناك في أهداف وطبيعة ومصالح.
وهكذا عاش الحزب الشيوعي العراقي ربيعه السياسي أياماً في فترة حكم عبدالكريم قاسم الذي وجد فيه الحليف والداعم، رغم انه لم يكن منتمياً الى ذلك الحزب، لا بل ويحرص على عدم وصمه به واختلافه معه الى حد التصادم احياناً. كما كانت للجهات الخارجية ممن تدعم الحزب الشيوعي في العراق كذلك من دول منظومة المجموعة الاشتراكية الشيوعية ما وجد فيه قاسم نوعاً من الحماية الدولية.
لقد كان الحزب الشيوعي العراقي قد وجد في عبدالكريم قاسم، الضابط الوطني، واذا اردت الشعوبي، النزيه والمتخالف مع التيار القومي والديني، ضالته في الاقتراب من الساحة السياسية والسلطة، لا بل وممارستها.
ان ما تمتع به عبدالكريم قاسم من سمعة ومحبة جماهيرية في أوساط الشعب الفقيرة، لا سيما من ابناء الطائفة الشيعية، قد دفعت الحزب الشيوعي الى التشبث باعلان محبته لعبدالكريم قاسم، واستمراره في التعبير عن ذلك في جميع المناسبات حتى الوقت الحاضر.
والسؤال الاخير اترك اجابته للقارىء اللبيب:
هل كانت علاقة الحزب الشيوعي العراقي بعبدالكريم قاسم علاقة تخادم أم تحايل، أم مزيجاً منها؟!
برلين، 24.07.2025
















































عذراً التعليقات مغلقة