بقلم: د. أحمد الرفاعي
– بغداد / حزيران 2025
في عام 1933 كتب جورج أورويل قصة رمزية عن ثلاثة ثيران بيضاء وسوداء وصفراء تعيش في وادٍ يُحيط به أسد جائع، فاوض الأسد الثور الأسود ليصمت عن التهام الأبيض؛ ففعل؛ ثم ساوم الأصفر ليصمت عن الأسود؛ فوافق، وحين لم يبقَ أحد التهمه هو الآخر .لم تكن تلك القصة خرافة أطفال بل تشريحًا دقيقًا لما يحدث حين يصمت الشركاء عن أكل بعضهم، ظنًا أن الذئب سيشبع أو يرحم، فإذا به يأكل الجميع.
تاريخ منطقتنا يفيض بهذه القصة لكن بأسماء مختلفة وأقنعة أكثر حدة حين تم استدراج العراق إلى حرب طويلة مع إيران، ثم عُزل عن محيطه العربي بعد قطيعة سوريا وغزو الكويت، أُغلقت الأبواب أمامه واحدة تلو الأخرى حتى بات مكشوفًا سهل المنال، وعندما أُسقِط العراق عام 2003 لم تكن الولايات المتحدة وحدها من تسلّق جدران بغداد، بل كانت إيران أول الداخلين من الأبواب الخلفية، حاملةً رايات الطائفية تحت عباءة “تصدير الثورة”.
منذ ذلك الحين بدأت إيران تبني نفوذها لا عبر مقاومة الاحتلال بل عبر خلق خرائط مذهبية جديدة داخل العراق وسوريا ولبنان واليمن أنشأت جيوشًا رديفة تحت مسميات “الممانعة” و”القدس” لكنها لم تطلق رصاصة واحدة لتحرير الأقصى بل استُخدمت تلك الجيوش لقمع الانتفاضات في دمشق وبغداد وصنعاء، حتى عندما قُصفت غزة على مدى أعوام، وظل الأقصى يُدنّس، لم تتحرك طهران، وعندما قُتل أكثر من سبعين ألفًا في غزة وحدها خلال سنتين، اكتفت إيران بالتصريحات ولم تُحرّك صاروخًا واحدًا حتى ضُربت هي نفسها داخل حدودها وفُجّرت منشآتها النووية.
ما يجري بين إسرائيل وإيران ليس صراعًا عقائديًا كما يُروج له، بل صراع نفوذ بامتياز لا أحد فيه يبكي على الأطفال ولا على القدس إسرائيل نفسها تركت إيران تعبث في سوريا لسنوات لأنها رأت في ذلك فرصة لإضعاف خصومها دون تكلفة مباشرة ولم تتحرك إلا حين بدأ النفوذ الإيراني يهدد مصالحها الحيوية أما الصراع الحقيقي فهو على من يُمسك بزمام الشرق الأوسط الجديد، لا من يُحرر القدس.
ومن يراهن على أحد الطرفين فهو في الحقيقة يضع رأسه بين فكي كماشة لا تعبأ بدينه ولا بدمه، إيران لم تهتم بضحايا سوريا الذين سُحقوا على مدى 13 عامًا، بل أرسلت الميليشيات وحرّضت على الإبادة الطائفية. أما إسرائيل، فلم تتدخل في أي لحظة لإنقاذ الضحايا، بل حافظت على خطها الصامت، حتى إذا اقتربت النيران من حدودها، تحركت بوحشية.
الغباء السياسي لا يكمن في سوء الفهم، بل في الإصرار على السير في طريق خاسر رغم وضوح النتيجة، أن تعادي الجميع وتظن أن أحدًا سيقف معك حين تسقط، أن تبني تحالفات على وهم، وتقصي شركاءك الحقيقيين، ثم تتوقع أن يتسابقوا للدفاع عنك، هذه ليست قراءة افتراضية بل نتيجة منطقية لما حدث في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين.
وفي خضم هذا المشهد، قال أحد السياسيين السنّة في العراق، أمام مجموعة من صناع القرار: “كيف نكون معكم وأنتم ترسلون من يلعن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب في مساجدنا؟ من لا يحترم رموزنا لا يُطلب ولاؤه، ومن يستقوي علينا برايات الغُربة لا يبني شراكة”، لم تكن تلك صرخة طائفية، بل نداء لكرامة سياسية تُهدَر يومًا بعد آخر على مذبح الحسابات الخاطئة.
من ينظر بعمق إلى التاريخ، يرى أن ما يجري اليوم بين طهران وتل أبيب يشبه تمامًا ما وقع قبل البعثة النبوية، حين اشتعلت الحرب الساسانية البيزنطية بين الفرس والروم واستنزفتهم حتى آخر رمق. حينها، لم يكن العرب لاعبًا رئيسيًا في الصراع، لكن ضعف الطرفين كان تمهيدًا إلهيًا لظهور الإسلام، فانقض خالد والمثنى وأبو عبيدة وفتحوا العراق والشام ومصر، لا باسم الطائفة، بل باسم الحق.
ورغم الظلال الثقيلة على المشهد الحالي، فإن أوان الإنقاذ لم يفت، لكن الخروج من المأزق لا يكون بالدعاء وحده، بل عبر خيارات عملية واقعية، أولها أن تكف النخب السياسية والدينية عن خطاب الكراهية والانقسام، وأن يُعاد تشكيل مشروع عربي مشترك يضع الأمن القومي والكرامة السياسية فوق أي تحالف مذهبي أو مصالح آنية، على الدول المحورية أن تنشئ مجلسًا أمنيًا عربيًا حقيقيًا، لا صوريًا، تكون له اليد العليا في وقف النزيف داخل العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأن تفتح القنوات المغلقة بين بغداد والرياض ودمشق والقاهرة بشجاعة سياسية تحفظ ما تبقى.
كما لا بد من تحصين البيت الداخلي بإعادة صياغة مفهوم “التحالف” لا كخضوع لقوة خارجية، بل كعقد وطني داخلي يتأسس على قاعدة العدالة لا الغلبة. ولا بد أن تنبع فكرة المقاومة من عمقها الأخلاقي، لا من وكلاء يتاجرون بالدم الفلسطيني في النهار ويعقدون صفقات الغاز ليلًا.
إن الخطوة الأهم هي أن تتوقف الشعوب عن الانتظار. فالثور لا يُؤكل لأنه ضعيف، بل لأنه ظل صامتًا حين أُكِل رفيقه، والوعي لا يُنجز شيئًا ما لم يتحول إلى فعل، والفعل لا يبدأ من السلاح بل من تصحيح البوصلة: من العدل، ومن الكلمة الصادقة، ومن إعلام مسؤول يفضح التآمر لكنه لا يسقط في دعوات الفوضى.
فلتكن هذه المرحلة نقطة يقظة، لا بداية سقوط، وما دام في الأمة من يكتب، ويصرخ، ويكشف، ويؤمن، فالأمل باقٍ. لأن التاريخ لا يُكتب بالحياد، بل بمواقف تُضيء الطريق حين ينام الجميع.
إن الغباء السياسي لا يصنع أصدقاء، والثمن إذا لم نتداركه… سيكون الجميع.
















































عذراً التعليقات مغلقة