تقرير للمخابرات الفرنسية يكشف حرب المغرب ضد الوهابية والتغلغل الشيعي

تقرير للمخابرات الفرنسية يكشف حرب المغرب ضد الوهابية والتغلغل الشيعي

تقرير للمخابرات الفرنسية يكشف حرب المغرب ضد الوهابية والتغلغل الشيعي

باريس –  قريش ( خاص):
في أول وثيقة يصدرها المركز البحثي الجديد الذي قامت بتأسيسه مؤخرا، كشفت المخابرات الفرنسية خريطة الصراع الدائرة في إفريقيا، بين المذاهب الإسلامية. الوثيقة التي أفرج عنها مركز التفكير “أنتراكسيون”، التابع للمديرية العامة للأمن الخارجي، أي المخابرات الفرنسية، تتضمن خلاصات أول لقاء نظّمه المركز بشكل مغلق شهر أبريل الماضي، حول موضوع: “الإسلام الإفريقي”.
التقرير الذي يمتد على قرابة 60 صفحة، تطرّق إلى الدور المغربي في الجزء الذي خصصه لمحور الإسلام كأداة لامتلاك النفوذ والتأثير داخل إفريقيا. وتكشف الوثيقة أن المغرب المقبل على الحصول على عضوية منظمة دول غرب إفريقيا، والساعي إلى لعب دور الريادة الإفريقية على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية؛ يتحرّك في حقيقة الأمر في مجال يتسم بمحاولات تغلغل تقوم بها مذاهب دينية إسلامية لم تكن موجودة في المنطقة، خاصة منها المذهب الوهابي السني والمذهب الشيعي. هذه “الدبلوماسية الدينية” تخفي وراءها مساع للحصول على موطئ قدم ووسيلة للتأثير في المنطقة سياسيا واقتصاديا.
التقرير يقول إن غياب مفهوم رجال الدين في الإسلام (clergé)، يحدّ من قدرة الإسلام السني على بلورة خطاب موحد ومعبئ. ضعف يعوّضه ظهور فاعلين جدد وصفتهم الوثيقة بالمنظمات غير الحكومية، والتي تحاول ممارسة ما سماه التقرير بـ”الدبلوماسية الخضراء”، أي التي تدور حول الإسلام. هذه المنظمات الساعية إلى التموقع داخل المجال الإفريقي حاملة راية الإسلام، “لا تقدّم في الحقيقة قيمة مضافة مقارنة بوسائل التأثير الأخرى، وفي مقدمتها دبلوماسية دفتر الشيكات”. ويضيف التقرير أن هذه الأذرع الجديدة المرتبطة بخلفيات دينية إسلامية، لا تخلّ بالتوازنات القائمة في المجال الإفريقي، “لكنها تستغل الفرص التي تتاح عبر امتدادات الدبلوماسية المالية”. دبلوماسية “خضراء” تواصل تقدمها حسب تقرير المخابرات الفرنسية، رغم المشاكل التي تواجهها الدول التي تقف وراءها، والتي يجسدها التقرير في كل من المغرب وإيران والعربية السعودية.
المعطيات الجديدة تتزامن مع توالي الخطوات المغربية لتفعيل الحضور الديني القديم للمملكة ومأسسته. مدينة فاس احتضنت الأسبوع الماضي الاجتماع الأول لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وهي المؤسسة التي أحدثها المغرب قبل سنتين، وخصّص لها إطارا تشريعيا ومؤسساتيا وماليا خاصا. الشق الديني في الخروج المغربي الكبير نحو إفريقيا، لا يقتصر على تكوين مئات الأئمة الأفارقة في المعهد المتخصص بالمغرب، بل يشمل بناء مساجد كبرى. التقرير الذي قدمه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، بمناسبة ترؤس الملك إحياء ليلة المولد النبوي الأسبوع الماضي بالرباط، تضمنت إعلان الموافقة الملكية على بناء ثلاثة مساجد مغربية كبرى، وذلك في كل من العاصمة التانزانية دار السلام، والعاصمة الغينية كوناكري، والعاصمة الاقتصادية للكوت ديفوار أبيدجان. التوفيق قال إن المغرب سيقوم، أيضا، بترميم مسجد يامسكرو، بالعاصمة السياسية للكوت ديفوار.
الوثيقة أعدتها المخابرات الفرنسية بناء على النقاش الذي دعت إليه 150 باحثا من جنسيات مختلفة، وذلك وفق القواعد التي تسمى “قواعد شاتام هاوس”، والتي تقوم على استعمال مضامين المداخلات والنقاشات، وإخفاء أسماء المشاركين. وتخلص الوثيقة إلى أن عمليات التأثير والتغلغل داخل المجال الإفريقي عبر الدبلوماسة الإسلامية (الخضراء)، تتأثر بطبيعة الأنظمة السياسية التي تقف وراءها. ويجسّد التقرير هذه الفكرة عبر النموذج المغربي، والذي “يوجّه اعتمادات مالية دبلوماسية واقتصادية ودينية لإفريقيا جنوب الصحراء، والتي تمثل الامتداد الطبيعي للمملكة”. دبلوماسية المغرب تستند، حسب التقرير الفرنسي، إلى الإشعاع الديني القائم أصلا، والذي يعود إلى عهود قديمة في إفريقيا الغربية. “ويلجأ المغرب، أيضا، إلى التكوين والتربية الدينيين لتعزيز تأثيره الإفريقي، من خلال دعم بعض المؤسسات وإقامة دوائر تفكير مرتبطة بالمغرب، ودعمه بناء المساجد، بما فيها مسجد دكار…”.
هذا الحضور الديني للمغرب في إفريقيا الغربية، يواجهه حضور آخر تقف وراءه كل من إيران الشيعية والسعودية الوهابية. وتوضّح الوثيقة أن الانتشار الوهابي الذي بات يرصد في الكوت ديفوار، أحد المعاقل التقليدية للمغرب في إفريقيا الغربية، يعود إلى البعثات التي عادت من المملكة العربية السعودية، وتجمّعت أساسا في مدينة “بواكي”. هذا المعقل الوهابي يتوفّر على مسجد خاص، داخل منطقة مهمشة، وتستفيد من أموال المساعدة القادمة من العربية السعودية، “خاصة منها مليار فرنك CFA المخصصة لمسجد أبيدجان”. كما يعتمد المد الوهابي في هذه المنطقة على الجمعيات الخيرية وبنيات دينية محلية.
أما الحضور الشيعي في منطقة الغرب الإفريقي، أي المجال الذي يلتقي فيه تأثير ونفوذ كل من المغرب وفرنسا، فيتركّز، أساسا، في دول مثل نيجيريا. “فاهتمام هذه الدولة الإفريقية بإيران يفسّر باعتبارات استراتيجية، مثل الديمغرافيا التي ستجعل أغلبية سكان نيجيريا مسلمين في العام 2030، وأخرى اقتصادية”. وتضيف الوثيقة أن تنامي الحضور الشيعي في إفريقيا ترافقه رسائل سياسية قوية، ترتبط خاصة بفكرة غياب العدالة وانتشار الرشوة والامبريالية العالمية… هذا الخطاب يستهدف أساسا الطلبة والجامعيين وتلاميذ المؤسسات التعليمية والفئات المهمشة من المجتمع. ويتسم هذا التأثير الشيعي بنزعته الحركية المستمدة من فكرة الثورة الإيرانية.

Comments are closed.