مخطوطات عراقية نادرة في إسرائيل!

مخطوطات عراقية نادرة في إسرائيل!

مخطوطات عراقية نادرة في إسرائيل!
الدكتور عمران الكبيسي

الدكتور عمران الكبيسي

ابتهج الصهاينة في القدس يوم 22 يناير باستقبال مخطوطة توراة عراقية نادرة مسروقة وصلت إليهم بطريقة غير قانونية وأقاموا لها قداساً ومراسم دينية تخللتها تراتيل وابتهالات وأهازيج وتوزيع الحلوى محتفلين عياناً جهاراً على مسمع ومرأى المنظمات العالمية ولا سيما منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو بسرقة المخطوطة، ونقلت وسائل إعلام “إسرائيلية” وأميركية احتفالهم الذي حضره كبار رجال الدين والمستوطنون برعاية “وزير الخارجية الإسرائيلي” أفيغدور ليبرمان الذي قال إن “رحلة المخطوطة تمثل مصير اليهود”. وتتوارد الأنباء عن إتلاف وثائق ومخطوطات أخرى تعود إلى عام 1487 تعرف بـ”سفر أيوب”، تعارض المعتقدات “الإسرائيلية” وتسفهها.

المخطوطة باللغة العبرية يربو عمرها على مئات السنين ورثتها الحكومة العراقية عن العصر العثماني، كتبت بحبر من عصير الرمان القاني المركز على جلد غزال، وكانت محفوظة ضمن “الأرشيف اليهودي” في الطابق السفلي بمبنى المخابرات العراقية، أحد عشرة أماكن مهمة سيطرت عليها القوات المظلية الخاصة الأميركية منذ الساعات الأولى لاحتلال بغداد، ومنها المتحف العراقي أعظم المتاحف قيمة أثرية تاريخية وثقافية مقتنياته لا تقدر بثمن تضم خيرة التراث الإنساني على مدى العصور، والقصور الرئاسية، ووزارات الداخلية والدفاع والنفط، ويضم “الأرشيف اليهودي” مخطوطات تسفه أحلام الصهاينة وادعاءاتهم بوطن قومي في فلسطين. كان اليهود يسعون لسرقتها من المتحف وفشلت محاولاتهم فنقلت إلى مقر المخابرات، ومخطوطات أخرى من “التراث اليهودي القديم” كان يسعى اليهود لجمعها وصيانتها والاحتفاظ بها، ومنها هذه المخطوطة النادرة.

والفضيحة التي لا يسترها ثوب ولا غطاء ولا يُسكت عليها، أن الجنود الأميركيين في عام 2003 بعد احتلال بغداد عثروا على هذه الأثريات، واحتالوا على العراقيين بجلب (مركز نارا) الأميركي المتخصص بصيانة المخطوطات القديمة وترميمها، وتسلموا المخطوطات وفق اتفاقية رسمية وعهدة موثقة بالأسماء والأختام ونقلت إلى أميركا لترميمها وصيانتها على نفقة العراق وإعادتها خلال ثلاث سنوات، ورغم مرور عشر سنوات ووزارة الآثار العراقية نائمة أو تطالب بإعادة المخطوطات كما تدعي، والحكومة الأميركية تماطل بتسليمها حتى كشفت “إسرائيل” عن استيلائها على جانب من هذه المخطوطات ومنها مخطوطة التوراة المهمة التي نقلت من أميركا إلى السفارة “الإسرائيلية” في عمان بطريقة غامضة، وبعد سنتين نقلت إلى “وزارة الخارجية الإسرائيلية” وفق خطة “أنكلوصهيوأميركية” لسرقة التراث العراقي والتلاعب بمقتنياته بطرق غير مشروعة وأسلوب خبيث ورخيص لصالح الكيان الصهيوني الذي يدعي “أن المخطوطة من الممتلكات المستعادة لإسرائيل، استعادوها وليس لليهود العراقيين”، واستغرق ترميم المخطوطة وإصلاحها لديهم في “إسرائيل” ثمانية أشهر قبل أن تعرض في القدس وتستخدم في صلاتهم.

وكانت وزارة الثقافة العراقية بعد سبات عميق قد اكتفت في عام 2010، بإعلان اتفاق العراق والولايات المتحدة، على استعادة “أرشيف اليهود العراقيين” وملايين الوثائق استولى عليها الجيش الأميركي عقب الاحتلال. في خطوة للتستر على استحواذ جهاز المخابرات “الإسرائيلي” “الموساد” على أكبر مكتبة يهودية أثرية عراقية، محفوظة بدائرة المخابرات العراقيّة، وأن ضباط وكالة المخابرات الأميركية (CIA) سهلوا تهريبها، ومن بين المتورطين ممثل وزارة الدفاع البنتاغون إسماعيل حجارة، أميركي الجنسية، كان على رأس فريق أشرف على إدارة هيئة الآثار والتراث العراقية في وقتها، وهو دبر حيلة نقل المخطوطات إلى أميركا.

إن تسريب مخطوطة الأرشيف اليهودي العراقي إلى “إسرائيل” قضية خطيرة لا يمكن السكوت عليها، ولا يكفي تقديم “وزارة الخارجية” و”سفارة العراق” بواشنطن مذكرة احتجاج للسلطات الأميركية أو مطالبة (مركز نارا) الأميركي الذي يقوم بصيانة وترميم الأرشيف العبري العراقي بتقديم إجابات واضحة حول المخطوطة التي سرقت بعد أن أجريت لها أعمال الصيانة. وإنما بحملة عربية عالمية تفضح أساليب الغش والسرقة والتدليس غير القانونية التي تمارسها الدول العظمى، وتقديم الملف إلى المحاكم الدولية ودعوة المنظمات العالمية ومنظمة الأمم المتحدة “اليونسكو” والشرطة الدولية “الإنتربول” إلى مساعدة العراق على استعادة آثاره وتراثه المسلوب قسراً وعمداً. وعلى الشعب العراق ألا يكتفي بالغضب والشجب وإنما بمقاضاة حكوماته السابقة والوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الثقافة والآثار منذ سنة 2003 لسكوتهم وصمتهم على مثل هذه الجريمة النكراء التي تؤكد وجود خلل في الحكومة وتقاعسها في حماية الرموز والمعالم الحضارية المهمة التي تمثل جزءا من تاريخ العراق وثروته التاريخية المادية والمعنوية التي تعرضت بسهولة للسرقة وتهريبها إلى خارج البلاد بمساعدة دول عظمى كان عليها الحفاظ على التراث الانساني كل بموطنه. وتشير الأدلة إلى أن ثمانين مخطوطة يهودية قديمة وبابلية وآشورية وسومرية تعود إلى العصور الوسطى سرقت ويتذرع الأميركان بلصوص ينتمون لشبكات تهريب آثار عراقية لنفي علاقة الجيش الأميركي بالجريمة النكراء، رغم استيلائهم على المتحف عدة أيام تركوه بعدها ليستبيحه اللصوص بمعرفتهم، وإن مكرهم لتزول منه الجبال.

3/2/2015

Comments are closed.